نصوص
 
 

أزمات داهمة: مخاطر وفرص

 

 

نوعام تشومسكي

 

 نسخة للطباعة (pdf)

 

 

من المؤسف أن عدداً أكبر مما ينبغي من التطورات مؤهلة لأن تكون أزمات وشيكة وجدية جداً. ويجب أن يكون كثير منها في موقع متقدم على برنامج القلق الخاص بكل شخص، لأنها تشكل تهديدات حرفية لبقاء الإنسان: الإمكانية المتزايدة للحرب النووية القاضية، والكارثة البيئية، التي قد لا تكون بعيدة جداً. لكنني أود أن أركز على القضايا الأضيق، تلك المثيرة للقلق الأعظم في الغرب الآن. سأتكلم أساساً عن الولايات المتحدة، التي أعرفها أفضل مما أعرف غيرها، وهي الحالة الأكثر أهميةً بسبب قوتها الهائلة. لكن بقدر ما أستطيع أن أتحقق، ليست أوروبا مختلفة جداً.

إن منطقة القلق الأعظم هي الشرق الأوسط. لا جديد في ذلك. عليّ في أغلب الأحيان أن أحضّر أحاديثي قبل سنوات. وحين أُسأل عن عنوان، اقترح "الأزمة الحاضرة في الشرق الأوسط". وهو عنوان لم يفشل إلى الآن. وهناك سبب جيد: عُرفت موارد الطاقة الضخمة في المنطقة من قبل واشنطن قبل 60 سنةً كـ "مصدر هائل من القوة الإستراتيجية"، و"المنطقة الأكثر أهميةً بشكل إستراتيجي في العالم"، و"إحدى الجوائز المادية الأعظم في التاريخ العالمي". وكانت السيطرة على هذه الجائزة الهائلة هدفاً أساسياً للسياسة الأميركية منذ ذلك الوقت، وبالطبع أثارت التهديدات لها قلقاً هائلاً. ولسنوات زعمت أن التهديد كان من الروس، الذريعة الروتينية للعنف والفتنة في جميع أنحاء العالم. وفي حالة الشرق الأوسط، ليس من الضروري أن ننظر في هذه الذريعة، لأنها تُركت رسمياً. عندما سقط جدار برلين، أصدرت إدارة بوش الأول إستراتيجية جديدة للأمن القومي، توضح أن كل شيء سيجري كما في السابق لكن ضمن إطار بلاغي جديد. فالنظام العسكري الضخم ما زال ضرورياً، لكن الآن، بسبب "التطور التقني لقوى العالم الثالث"، الذي يقترب على الأقل بشكل أكبر من الحقيقة، على الرغم من السخافة الواضحة: كان التهديد الأساسي، في العالم كله، قوميةً أصليةً. وأوضحت الوثيقة الرسمية أكثر بأن الولايات المتحدة تبقي قوات التدخل الخاصة بها موجهة نحو الشرق الأوسط، حيث "التهديد لمصالحنا… لا يمكن أن يُوضع عند باب الكرملين"، على نقيض عقود من الاختلاق. وبشكل طبيعي كالعادة، مرّ كل هذا من دون تعليق.

تتمثل المشكلة الحالية الأكثر جدية في عقول الشعب إلى حد بعيد في العراق. والفائز السهل في مسابقة البلدان الأكثر إثارة للخوف هو إيران، ليس لأن إيران تشكل تهديداً خطيراً حقاً، لكن بسبب قرع طبل الدعاية الحكومية الإعلامية. إن ذلك نمط مألوف. لقد كان آخر مثال العراق. فقد أُعلن احتلال العراق عملياً في أيلول 2002، وكما نعرف الآن، كان الاحتلال الأميركي - البريطاني جارياً في السر. في ذلك الشهر، بدأت واشنطن حملة دعائية ضخمة، بتحذيرات بشعة من كوندوليزا رايس وآخرون بأن الرسالة المقبلة من صدام حسين ستكون غيمة فطر [تفجيراً نووياً] في نيويورك. وخلال بضعة أسابيع، أوصل وابل الدعاية الحكومي الإعلامي الأميركيين بالكامل إلى خارج الطيف الدولي. ربما كان صدام محتقَراً تقريباً في كل مكان، لكن فقط في الولايات المتحدة كانت أغلبية الشعب مذعورة مما قد يفعل بهم غداً. وفي تطور لا يدعو للاستغراب، ارتبط دعم الحرب بشكل مباشر جداً بمخاوف مثل هذه. وكان هذا قد أُنجز سابقاً، في طرق مدهشة خلال عهد ريغان، وهناك تاريخ سابق طويل ومنير. لكنني سأقتصر على الوحش الحالي الذي يصنعه النظام العقيدي، بعد بضع كلمات حول العراق.

هناك فيضان من التعليقات حول العراق، لكن قليل جداً من التقارير. فالصحافيون يُحصرون في الأغلب في المناطق المحصنة في بغداد، أو يُتضمنون في الجيش المحتل. وليس السبب أنهم جبناء أو كسالى، بل لأنه ببساطة من الخطر جداً أن يكونوا في أي مكان آخر. وهذا لم يصح في الحروب السابقة. وهي حقيقة مدهشة أن الولايات المتحدة وبريطانيا واجهتا مشكلة أكبر في إدارة العراق مما واجه النازيين في أوروبا المحتلة، أو الروس في الدول التي كانت تدور في فلكهم في أوروبا الشرقية، إذ كانت البلدان تُدار من قبل المدنيين وقوات الأمن المحلية، فيما القبضة الحديدية جاهزة في حال فشل أي شيء لكنها كانت في الخلفية عادة. وعلى النقيض من ذلك، لم تستطع الولايات المتحدة تأسيس نظام زبون مطيع في العراق، في ظل شروط أسهل جداً.

إذا وضعنا جانباً الغمامات العقيدية، ماذا يجب أن يُعمل في العراق؟ قبل الإجابة، يجب أن نكون واضحين حول بعض المبادئ الأساسية. يقول المبدأ الرئيسي إن المحتل لا حقوق له، بل مجرد مسؤوليات. المسؤولية الأولى أن تدفع التعويضات. المسؤولية الثانية أن تحترم إرادة الضحايا. وهناك في الحقيقة مسؤولية ثالثة: محاكمة المجرمين، لكن ذلك الالتزام بعيد جداً عن العقلية الإمبراطورية للثقافة الغربية بحيث أنني سأضعه جانباً.

تذهب مسؤولية دفع التعويضات إلى العراقيين أبعد بكثير من جريمة العدوان وأثرها الفظيع. إن الولايات المتحدة وبريطانيا تعذبان شعب العراق منذ وقت طويل. وبمجرد العودة إلى التاريخ الأخير، دعمت كلتا الحكومتين نظام صدام حسين الإرهابي بقوة خلال فترة جرائمه الأسوأ، وبعد فترة طويلة من نهاية الحرب مع إيران. لقد استسلمت إيران أخيراً، معترفة أنها لا تستطيع أن تحارب الولايات المتحدة، التي كانت، في ذلك الوقت، تشارك بشكل مفتوح في عدوان صدام - الأمر الذي لم ينسه الإيرانيون بالتأكيد، حتى إذا نسيه الغربيون. إن رفض التاريخ دائماً موقف سهل لأولئك الذين يحملون الهراوات، لكن ضحاياهم يفضلون عموماً أن ينتبهوا إلى العالم الحقيقي. بعد الحرب العراقية - الإيرانية، واصلت واشنطن ولندن تزويد صديقهم صدام الأجهزة العسكرية، بما في ذلك الوسائل اللازمة لتطوير أسلحة الدمار الشامل وأنظمة التسليم. وكان المهندسون النوويون العراقيون حتى يُجلبون إلى الولايات المتحدة ليتلقوا دروساً في تطوير الأسلحة النووية في 1989، بعد فترة طويلة من أعمال صدام الوحشية الأسوأ واستسلام إيران. وعادت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى دعمهما لصدام فوراً بعد حرب الخليج 1991، عندما خوّلتا صدام عملياً استعمال الأجهزة العسكرية الثقيلة لقمع انتفاضة شيعية كان يمكن أن تُسقط المستبد. لقد اتضحت الأسباب علناً. فقد ذكرت "النيويورك تايمز" أن "وجهة نظر جماعية بشكل لافت" سادت بين الولايات المتحدة وحليفتيها بريطانيا والمملكة العربية السعودية ومفادها "أنه بغض النظر عن ذنوب الزعيم العراقي، فقد كان يعرض على الغرب والمنطقة أملاً أفضل باستقرار بلاده من أولئك الذين عانوا من قمعه"؛ إن التعبير "استقرار" كلمة رمز لـ "اتّباع الأوامر". وأوضح المراسل الدبلوماسي الرئيسي لـ "النيويورك تايمز" توماس فريدمان أن "أفضل كل العوالم" بالنسبة إلى واشنطن يتمثّل في "زمرة عسكرية ذات قبضة حديد" تحكم العراق، فقط مثلما فعل صدام، لكن في غياب ذلك الخيار، يجب أن تقبل واشنطن بالخيار الأحسن التالي: صدام نفسه. الخيار المستحيل - حينئذ والآن - أن يحكم العراقيون العراق بشكل مستقل عن الولايات المتحدة.

ثم تلا نظام العقوبات القاتل المفروض من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والذي قتل مئات آلاف الناس ودمر المجتمع المدني العراقي. لقد قوّت العقوبات المستبد وأجبرت الشعب على الاعتماد عليه للبقاء، ومن المحتمل أنها حمته من مصير المستبدين الأشرار الآخرين، وبعضهم شبيه جداً بصدام، الذين أُسقطوا من الداخل على الرغم من الدعم القوي من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حتى نهاية حكمهم الدامي: تشاوشسكو، سوهارتو، وألبوم صور فعلي من المجرمين الآخرين، تُضاف إليه أسماء جديدة بانتظام. ثانيةً، كل هذا تاريخ قديم ممل بالنسبة إلى أولئك الذين يحملون الهراوات، لكن ليس إلى ضحاياهم، أو الناس الذين يفضّلون فهم العالم. كل تلك الأعمال، وأكثر بكثير، تستدعي التعويضات، على نطاق ضخم، وتمتد المسؤولية إلى الآخرين أيضاً. لكن الأزمة الأخلاقية الثقافية العميقة للثقافة الغربية تمنع أي تفكير في مواضيع كهذه.

المسؤولية الثانية أن تطيع إرادة الشعب. تقدّم الاستطلاعات البريطانية والأميركية دليلاً كافياً حول ذلك. لقد وجد آخر استطلاع أن 87 بالمائة من العراقيين يريدون "جدولاً زمنياً صلباً للانسحاب الأميركي"، "ارتفاعاً من 76 بالمائة قبل سنة. وإذا كانت التقارير تعني العراقيين حقاً، كما تقول، فهي تشير ضمناً إلى أن كامل الشعب في العراق العربي عملياً، حيث ينتشر الجيش الأميركي والبريطاني، يريد جدولاً زمنياً صلباً للانسحاب. أشك في أن أحداً كان ليجد أرقاماً شبيهة في أوروبا المحتلة في ظل النازيين، أو أوروبا الشرقية في ظل الحكم الروسي.

لكن بوش - بلير وشركاهما، يعلنون أنه لا يمكن وجود جدول زمني للانسحاب. ويعكس ذلك الموقف جزئياً الكراهية الطبيعية للديمقراطية بين الأقوياء، الملثمة في أغلب الأحيان بالدعوات البليغة إلى الديمقراطية. لقد برزت هذه الدعوات إلى الواجهة بعد الفشل في إيجاد أسلحة الدمار الشامل في العراق، بحيث أن دافعاً جديداً للاحتلال كان يجب أن يُخترع. لقد أعلنه الرئيس مستقطباً مديحاً عظيماً في تشرين الثاني 2003، في المؤسسة الوطنية للديمقراطية في واشنطن. لقد أعلن أن السبب الحقيقي للاحتلال لم يكن برامج أسلحة صدام، كما ادعت واشنطن ولندن بإصرار، بل بالأحرى مهمة بوش المسيحيانية للترويج للديمقراطية في العراق، وفي الشرق الأوسط، وفي كل مكان. وأبدت أجهزة الإعلام والثقافة إعجاباً عميقاً، فقد شعرت بالارتياح لاكتشافها أن "تحرير العراق" ربما كان الحرب "الأنبل" في التاريخ، كما أعلن معلقون لبراليون بارزون، وهو شعور رُدد حتى من قبل النقاد، الذين ادعوا أن الهدف النبيل قد يكون أبعد من وسائلنا، وأن من نعرض عليهم هذه الهدية الرائعة قد يكونون أكثر تخلفاً من أن يتقبلوها. وعُرض هذا الاستنتاج بعد أيام قليلة في استطلاعات أميركية في بغداد. فحين سُئلوا لماذا غزت الولايات المتحدة العراق، وافق البعض المذهب الجديد المرحب به من قبل المثقفين الغربيين: وافق واحد بالمائة أن الهدف كان الترويج للديمقراطية. وقال خمسة بالمائة آخرون إن الهدف كان مساعدة العراقيين. واعتبرت أغلب البقية بديهياً أن الأهداف كانت تلك الواضحة الممنوع ذكرها في المجتمع المؤدب – الأهداف الإستراتيجية – الاقتصادية التي ننسبها بسهولة إلى الأعداء، كحين غزت روسيا أفغانستان أو غزا صدام الكويت لكن ذكرها ممنوع عندما نلتفت إلى أنفسنا.

بيد أن رفض الإرادة الشعبية في العراق سيمضي أبعد من الخوف الطبيعي من الديمقراطية بين الأقوياء. انظر ببساطة في السياسات التي من المحتمل أن يتبعها عراق مستقل وديمقراطي إلى هذا الحد أو ذاك. ربما لا يكنّ العراقيون حباً لإيران، لكنهم بلا شك يفضلون علاقات الصداقة مع جارتهم القوية. وللأغلبية الشيعية أصلاً روابط بإيران وتتحرك لتقويتها. علاوة على ذلك، حتى السيادة المحددة في العراق شجعت جهود الشعب الشيعي المكبوت بقسوة مباشرة وراء الحدود في المملكة العربية السعودية لكسب حقوق أساسية وربما حكم ذاتي. هناك حيث صُودف وجود أغلب النفط السعودي. قد تؤدي تطورات مثل هذه إلى إطلاق تحالف شيعي يسيطر على الموارد الرئيسية للطاقة في العالم المستقلة عن واشنطن، وهو الكابوس النهائي في واشنطن - ماعدا أنه قد يسوء: قد يقوي التحالف روابطه الاقتصادية، والعسكرية حتى، مع الصين. يمكن أن تخيف الولايات المتحدة أوروبا: عندما تهز واشنطن قبضتها، تنسحب المشاريع التجارية الأوروبية الكبرى من إيران. لكن الصين ترفض أن تخاف. عندهم تاريخ أربعة آلاف سنة من احتقار البرابرة. ذلك هو السبب الأساسي لمخاوف واشنطن الإستراتيجية فيما يتعلق بالصين: ليس أنها تهديد عسكري، لكن لأنها تشكل تهديد الاستقلال، غير المقبول للبلدان الصغيرة مثل كوبا أو فيتنام، وبالتأكيد لقلب المنطقة الاقتصادية الأكثر ديناميكية في العالم، البلاد التي فاقت لتوها اليابان في امتلاك الاحتياطيات المالية الرئيسية في العالم والاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً في العالم، البالغ الآن ثلثي حجم الاقتصاد الأميركي بحسب الحسابات الصحيحة، وإذا استمرت معدلات النمو الحالية، يُحتمل أن يلحق بالولايات المتحدة في غضون عقد - في الشروط المطلقة، وليس بالطبع بالنسبة إلى الفرد، وبالمشكلات الداخلية الضخمة.

إن الصين أيضاً مركز الشبكة الآسيوية لأمن الطاقة ومجلس التعاون في شنغهاي، الذي يشمل بلدان آسيا الوسطى، وانضمت إليه قبل بضعة أسابيع فقط الهند وإيران وباكستان. وتقوم الهند بمشاريع مشتركة هامة في مجال الطاقة مع الصين، وقد تنضم إلى شبكة أمن الطاقة. وقد تقوم إيران بذلك أيضاً، إذا توصلت إلى استنتاج بأن أوروبا تخاف الولايات المتحدة إلى درجة أنها لا تستطيع التصرف بشكل مستقل. وإذا اتجهت إيران إلى الشرق، ستجد شركاءً راغبين. فقد جمع مؤتمر رئيسي حول الطاقة في أيلول الماضي في طهران مسؤولين حكوميين وعلماء من إيران والصين وباكستان والهند وروسيا ومصر وإندونيسيا وجورجيا وفنزويلا وألمانيا، خططوا لنظام شامل لخطوط الأنابيب لكامل المنطقة وكذلك لتطوير أكثر تركيزاً لموارد الطاقة. وتُعد رحلة بوش الأخيرة إلى الهند، وتفويضه برنامج الهند للأسلحة النووية، جزءاً من التسابق على ما ستتبلور عليه هذه القوى العالمية الرئيسية. ويمكن لعراق سيد وديمقراطي جزئياً أن يكون مساهمةً أخرى في التطورات التي تهدد بجدية الهيمنة العالمية الأميركية، لذلك ليس مفاجئاً أن واشنطن أرادت بكل طريقة منع نتيجة كهذه، بمعية "حامل الرمح للسلام الأميركي"، كما تُوصف بريطانيا بلير في المجلة القيادية للشؤون الدولية في بريطانيا.

إذا أُرغمت الولايات المتحدة على منح درجة ما من السيادة إلى العراق، وتلا ذلك أي من هذه النتائج، سيواجه مخططو واشنطن انهيار أحد الأهداف الأعلى لسياستهم الخارجية منذ الحرب العالمية الثانية، عندما حلت الولايات المتحدة محل بريطانيا باعتبارها القوة العالمية المهيمنة، أي الحاجة للسيطرة على "المنطقة الأكثر أهميةً إستراتيجياً في العالم". والذي كان مركزياً للتخطيط كان السيطرة، لا الوصول، وهذا تمييز مهم. فقد اتبعت الولايات المتحدة السياسات نفسها قبل فترة طويلة من اعتمادها على قطرة من نفط الشرق الأوسط، وستستمر في ذلك إذا اعتمدت على الطاقة الشمسية. فسيطرة مثل هذه تعطي الولايات المتحدة "قوة نقض" أمام منافسيها الصناعيين، كما أوضح في فترة مبكرة بعد الحرب المخططون المؤثرون، وكرروا أخيراً فيما يتعلق بالعراق: يعطي الغزو الناجح للعراق الولايات المتحدة "قوة رفع حرجة" على منافستيها الصناعيتين، أوروبا وآسيا، كما أشار زبيغنيو بريجينسكي، الشخصية المهمة في مجتمع التخطيط. ليست الفكرة جديدة على الإطلاق. في فجر عصر النفط قبل 90 سنةً تقريباً، أوضح اللورد الأول للأميرالية في بريطانيا: "إذا ضمنّا إمدادات النفط المتوفرة الآن في العالم يمكننا أن نفعل ما نريد". وفهم وودرو ويلسون هذه النقطة الحاسمة أيضاً. فقد طرد ويلسون البريطانيين من فنزويلا، التي كانت أصبحت بحلول 1928 مصدر النفط البارز في العالم، وحيث الشركات الأميركية الآن مسؤولة. ولنيل الهدف، دعم ويلسون وورثته الدكتاتوري الشرير والفاسد لفنزويلا وضمنوا أن يمنع الامتيازات البريطانية. في هذه الأثناء واصلت الولايات المتحدة طلب – وتأمين - حقوق النفط الأميركية في الشرق الأوسط، حيث البريطانيون والفرنسيون كانوا في المقدمة.

قد نلاحظ أن هذه الأحداث تصور المعنى الفعلي لـ "مثالية ويلسون" المحترمة من قبل ثقافة المثقفين الغربيين، وتقدّم المعنى الحقيقي أيضاً لـ "التجارة الحرة" و"الباب المفتوح". وأحياناً هذا معترف به رسمياً حتى. حين كان النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية يُشكل في واشنطن، دعت مذكرة لوزارة الخارجية حول السياسة النفطية الأميركية إلى إبقاء السيطرة الأميركية المطلقة على مصادر النصف الغربي للكرة الأرضية "مقرونة بالإصرار على مبدأ الباب المفتوح الذي ينص على فرصة مساوية للشركات الأميركية في المناطق الجديدة". أي أن "مذهب السوق الحرة موجود حقاً": ما عندنا، نبقيه، مغلقين الباب أمام الآخرين، وما ليس عندنا لحد الآن، نأخذه، تحت مبدأ الباب المفتوح. كل هذا يصور النظرية الهامة جداً للعلاقات الدولية، أو حكمة ثوسيديديس: يفعل الأقوياء ما يمكنهم أن يفعلوه، ويعاني الضعفاء ما يجب أن يعانوه.

وفي ما يتعلق بالعراق اليوم، يعني الحديث عن إستراتيجيات الخروج القليل جداً ما لم تُواجه هذه الحقائق. فمن غير الواضح كيف سيتعامل مخططو واشنطن مع هذه المشكلات. وهم يواجهون مشكلات مماثلة في أمكنة أخرى. لقد توقعت التقديرات الاستخبارية للألفية الجديدة أن تسيطر الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط باعتباره أمراً طبيعياً، لكن هي نفسها ستعتمد على احتياطات الحوض الأطلسي الأكثر استقراراً، أي الدكتاتوريات في أفريقيا الغربية والنصف الغربي للكرة الأرضية. لكن سيطرة واشنطن ما بعد الحرب على أميركا الجنوبية، من فنزويلا إلى الأرجنتين، تتآكل بجدية. وكانت الآلتان الرئيسيتان للسيطرة العنف والخنق الاقتصادي، لكن كل سلاح يفقد كفاءته. وآخر محاولة لتبني انقلاب عسكري كانت في 2002، في فنزويلا، لكن كان لا بد أن تتراجع الولايات المتحدة عندما أُسقطت الحكومة العسكرية التي ساعدت على وصولها، سريعاً بالمقاومة الشعبية، وكان هناك اضطراب في أميركا اللاتينية، حيث تُؤخذ الديمقراطية بجدية أكثر بكثير من الغرب وحيث سقوط حكومة منتخبة ديموقراطياً لم يعد يُقبل بهدوء. والضوابط الاقتصادية تتآكل أيضاً. فالبلدان الأميركية الجنوبية تدفع ديونها إلى صندوق النقد الدولي – وهو أساساً فرع لوزارة المالية الأميركية – بمساعدة من فنزويلا. وأعلن رئيس الأرجنتين أن البلاد "تخلص نفسها من صندوق النقد الدولي". فالتمسك الصارم بقواعد صندوق النقد الدولي أدى إلى كارثة اقتصادية، تعافت منها البلاد بانتهاك القواعد بشكل جذري. وخلّصت البرازيل نفسها من صندوق النقد الدولي أيضاً، ومن المحتمل أن تفعل بوليفيا ذلك أيضاً، مرةً ثانيةً بمساعدة فنزويلا. إن الضوابط الاقتصادية الأميركية تضعف بجدية.

يتمثّل قلق واشنطن الرئيسي في فنزويلا، منتج النفط القيادي في النصف الغربي للكرة الأرضية. وتخمّن وزارة الطاقة الأميركية أن احتياطاتها قد تكون أعظم من احتياطات المملكة العربية السعودية إذا بقي سعر النفط عالياً بما فيه الكفاية بحيث يصبح نفطها الثقيل جداً الغالي الثمن مربحاً. وعجلت العداوة والفتنة الأميركية المتطرفتين اهتمام فنزويلا في تنويع الصادرات والاستثمار، والصين أكثر من راغبة في اغتنام الفرصة، كما تفعل مع الدول الأميركية اللاتينية الأخرى الغنية بالمصادر. إن احتياطات الغاز الأكبر في أميركا الجنوبية في بوليفيا، التي تتبع الآن تقريباً الطريق نفسها التي اتبعتها فنزويلا. وكل من البلدين يطرح مشكلة لواشنطن في نواح أخرى. فلكل منهما حكومة منتخبة شعبياً. وتقود فنزويلا أميركا اللاتينية في دعم الحكومة المنتخبة، وقد زاد الدعم بحدة في السنوات القليلة الماضية في عهد تشافيز. هو مكروه بشكل مرير في الولايات المتحدة بسبب استقلاله والدعم الشعبي الهائل الذي يحظى به. ومنذ فترة وجيزة جرى في بوليفيا انتخاب ديمقراطي من النوع نفسه الذي يكاد لا يصدق في الغرب. لقد كانت هناك قضايا جدية فهمها الشعب بشكل جيد جداً، وكان اشتراك نشط من عامة الشعب، الذي انتخب شخصاً من صفوفه، من السكان الأصليين الذين يشكلون الأغلبية. إن الديمقراطية تخيف دائماً مراكز القوى، خصوصاً عندما تذهب بعيداً جداً عن مجرد الشكل وتتضمن مادة فعلية.

ويكشف تعليق على الذي يحدث طبيعة المخاوف. إن مجلة الأعمال القيادية في العالم، وإحدى أكثر الصحف جدية في أي مكان، هي "الفاينانشيال تايمز" اللندنية، وقد حذرت قبل أيام قليلة من أن الرئيس البوليفي إفو مورالس يصبح "استبدادياً" و"غير ديموقراطي" بشكل متنامٍ، ما يمثل قلقاً شديداً للقوى الغربية، المكرسة للحرية والديمقراطية في كل مكان. والبرهان أنه اتبع إرادة 95 بالمائة من الشعب وأمم مصادر الغاز في بوليفيا، ويكسب شعبية أيضاً بخفض الرواتب العامة وإزالة الفساد. هو يتحول إلى شبيه للزعيم المخيف لفنزويلا، الذي كسبت حكومته المنتخبة دعماً شعبياً ساحقاً، كان الأعلى في أميركا اللاتينية، والذي يمد الآن إلى بوليفيا البرامج نفسها التي يفرضها في فنزويلا: دعم "جهود بوليفيا للقضاء على الأمية ودفع أجور مئات الأطباء الكوبيين الذين أرسلوا للعمل هناك" بين الفقراء، في اقتباس لبكائية "الفاينانشيال تايمز".

تصف آخر إستراتيجيات الأمن القومي لإدارة بوش، الصادرة للتو، الصين بالتهديد الطويل المدى الأعظم للهيمنة العالمية الأميركية. ليس التهديد عسكرياً، بل اقتصادي. وتحذر الوثيقة بأن القادة الصينيين ليسوا فقط "يوسعون التجارة، لكنهم يتصرفون وكأنهم يستطيعون بطريقة ما أن ’يغلقوا‘ إمدادات الطاقة حول العالم أو يسعون إلى توجيه الأسواق بدلاً من فتحها" (اقتباسات من الصحافة الوطنية). في الاجتماعات الصينية - الأميركية في واشنطن قبل أسابيع قليلة، حذر الرئيس بوش الرئيس هو جنتاو من محاولة "إغلاق" الإمدادات العالمية. وأدان بوش اعتماد الصين على النفط من السودان وبورما وإيران، متهماً الصين بمعارضة تحرير التجارة وحقوق الإنسان - على خلاف واشنطن، التي تستورد فقط من الديمقراطيات الصافية التي تعبد حقوق الإنسان، مثل غينيا الاستوائية، إحدى أكثر الدكتاتوريات الأفريقية شراً، وكولومبيا، التي عندها أسوأ سجل لحقوق الإنسان إلى حد بعيد في أميركا اللاتينية، ودول آسيا الوسطى، وغيرها من نماذج الفضيلة. ولا يتهم شخص محترم واشنطن بـ "إغلاق" الإمدادات العالمية عندما تتبع "سياسة الباب المفتوح" التقليدية الخاصة بها والعدوان المباشر لضمان السيطرة على الإمدادات العالمية للطاقة. المثير للاهتمام، ربما، أن لا شيء من هذا يثير السخرية في الغرب، أو حتى الملاحظة.

ذكرت القصة الرئيسية في "النيويورك تايمز" حول اجتماع بوش - هو "أن شهية الصين للنفط تؤثر أيضاً في موقفها من إيران... ويحتمل أن تتحول القضية [جهد الصين لـ ’إغلاق‘ الإمدادات العالمية] إلى صدام محدد حول إيران"، إذ وقع العملاق النفطي الصيني المملوك للدولة صفقة بـ 70 بليون دولار لتطوير حقل نفط يادافاران الإيراني الضخم. تلك مسألة جدية، يفاقمها التدخل الصيني حتى في المملكة العربية السعودية، الدولة التابعة لأميركا منذ طُرد البريطانيون أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي علاقة مهددة الآن بنمو الروابط الاقتصادية وحتى العسكرية بين الصين والمملكة، شريك الصين التجاري الأكبر الآن في غرب آسيا وشمال أفريقيا – هذا ربما برهان آخر على قلة قلق الصين حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذا هو التخطيط العاري للسياق العالمي ذي العلاقة حول ما يُعمل في العراق. لكن هذه الأمور الحرجة لا تكاد تذكر في النقاش المستمر حول المشكلة المثيرة للقلق الأعظم عند الأميركيين. يمنعها مذهب صارم. من غير المقبول نسبة تفكير إستراتيجي اقتصادي عقلاني إلى دولتك، التي يجب أن توجهها النماذج الحميدة للحرية والعدالة والسلام وأشياء رائعة أخرى. وذلك يقود ثانيةً إلى أزمة حادة جداً في ثقافة المثقفين الغربيين، ليست فريدة بالطبع في التاريخ، لكنها تنذر الخطر.

يمكن أن نكون واثقين من أن هذه الأمور، مع أنها مستثناة من المناقشة العامة، تلفت انتباه المخططين. لا نملك سوى قليل من المعلومات حول ما يدور في أذهانهم: تعتبر الحكومات نموذجياً شعوبها عدواً رئيسياً، يجب أن تبقيها في حالة جهل حول ما يحدث لها وما يُخطط لها. على الرغم من هذا، يمكننا أن نخمن. يتمثل أحد التخمينات المعقولة في أن مخططي واشنطن قد يريدون إلهام الحركات الانفصالية التي يمكن أن "تدافع" الولايات المتحدة عنها من ثم ضد الوطن الأم. في إيران، تقع مصادر النفط الرئيسية في المناطق العربية المجاورة للخليج، أي خوزستان الإيرانية - وكما هو متوقع، هناك الآن حركة تحرير الأهواز ذات الأصل المجهول، تدعي حقوقاً غير محددة من الحكم الذاتي. ويشكل العراق والدول الخليجية القريبة قاعدة للتدخل الأميركي. في فنزويلا، تتركز مصادر النفط في الأغلب في محافظة قرب كولومبيا، القاعدة الأرضية الأميركية الموثوق بها في المنطقة، وهي محافظة معادية لتشافيز ولها حركة حكم ذاتي، ثانيةً ذات أصول مجهولة. في بوليفيا، تقع مصادر الغاز في المناطق الشرقية الأغنى حيث تسيطر نخب من أصول أوروبية تعارض بشكل مرير الحكومة التي انتخبت من قبل السكان الأصليين الذين يشكلون الأغلبية، وقد هددت بالانفصال. وتمثل باراغواي القريبة إحدى قواعد الأرض الموثوق بها الأخرى القليلة الباقية للجيش الأميركي. ويزيد الوجود العسكري الأميركي في أميركا اللاتينية جوهرياً. والآن يتجاوز إجمالي الدعم للجيش والشرطة المساعدات الاقتصادية والاجتماعية، في انعكاس مثير للنمط الذي ساد أثناء سنوات الحرب الباردة. وللجيش الأميركي الآن موظفون في أميركا اللاتينية أكثر من أكثر الوكالات الاتحادية المدنية الرئيسية مجتمعة، في تغيير حاد ثانيةً عن السنوات السابقة. المهمة الجديدة أن تقاتل "الشعبوية الراديكالية" - التعبير الذي يستعمل بانتظام للقومية المستقلة التي لا تطيع الأوامر. ويُنقل التدريب العسكري من وزارة الخارجية إلى البنتاغون، ما يحرره من مشروطية حقوق الإنسان والديمقراطية تحت إشراف الكونغرس، الضعيف دائماً، لكن مع بعض التأثيرات.

إن الولايات المتحدة قوة عالمية، وسياساتها لا يجب أن تُدرس بشكل منعزل، بشكل أكبر من سياسات الإمبراطورية البريطانية. في عودة نصف قرن إلى الوراء، ميزت إدارة إيزنهاور ثلاث مشكلات عالمية رئيسية: إندونيسيا، شمال أفريقيا، والشرق الأوسط - كلها منتجة للنفط، كلها إسلامية. وفي كل الحالات، كان مثار القلق القومية المستقلة. وحُلت المشكلة الأفريقية الشمالية عند نهاية الحكم الفرنسي في الجزائر. في إندونيسيا، أزال انقلاب سوهارتو في 1965 تهديد الاستقلال مع مذبحة ضخمة، قارنتها وكالة الاستخبارات المركزية بجرائم هتلر وستالين وماو. "ذبح جماعي مدهش"، كما وصفته "النيويورك تايمز"، حُيي في الغرب بغبطة وراحة ظاهرين. وحطم الانقلاب العسكري الحزب السياسي الوحيد ذا القاعدة الشعبية، حزب الفقراء، وذبح أعداداً ضخمة من الفلاحين من غير ذوي الأرض، وفتح البلاد أمام الاستغلال الغربي لمصادره الغنية، بينما تحاول الأغلبية الكبيرة البقاء وهي في بؤس. وبعد سنتين، حُلت المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط بتدمير إسرائيل لنظام عبد الناصر، المكروه من الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين خشيتا من أن القوى القومية العلمانية قد تريد توجيه موارد الطاقة الواسعة للمنطقة إلى التنمية الداخلية. وقبل سنوات قليلة، حذرت الاستخبارات الأميركية من مشاعر شعبية بأن نفطهم "ميراث وطني" استغله الغرب بترتيبات ظالمة فرضت بالقوة. وأكدت خدمة إسرائيل للولايات المتحدة وحليفها السعودي وشركات الطاقة حكم الاستخبارات الأميركية في 1958 أن "البديهية المنطقية" لمعارضة القومية العربية تتمثل في الاعتماد على إسرائيل باعتبارها "القوة المؤيدة للغرب القوية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ما عدا تركيا، التي أسست تحالفاً عسكرياً وثيقاً مع إسرائيل في 1958، ضمن الإطار الإستراتيجي الأميركي.

إن التحالف الأميركي - الإسرائيلي، الفريد في الشؤون العالمية، يعود إلى الفتوحات العسكرية لإسرائيل في 1967، وقد عُزز في 1970 عندما منعت إسرائيل تدخلاً سورياً محتملاً في الأردن لحماية الفلسطينيين الذين كانوا يُذبحون أثناء أيلول الأسود. لقد اعتُبر تدخل مثل هذا في واشنطن تهديداً لمنتجي النفط الذين كانوا زبائنها. وارتفعت المساعدة الأميركية لإسرائيل أربعة أضعاف. والنمط ثابت جداً منذ ذلك الحين، وقد تمدد إلى الخدمات الإسرائيلية الثانوية للقوة الأميركية خارج الشرق الأوسط، خصوصاً في أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا. فنظام الهيمنة أفاد بشكل جيد جداً الناس المهمين. وأرباح شركات الطاقة تكسر كل الأرقام القياسية. وللصناعة التقنية المتطورة (بما في ذلك الجيش) روابط مربحة مع إسرائيل، وكذلك المؤسسات المالية الرئيسية، وتعمل إسرائيل عملياً كقاعدة عسكرية بعيدة عن الشاطئ. وقد يجادل المرء أن سياسات أخرى كانت لتكون أكثر فائدة لتجمعات القوة المحلية التي تقرر السياسة بشكل كبير، لكنهم يجدونها أكثر من قابلة للاحتمال.

دعونا ننتقل إلى إيران وبرامجها النووية. حتى 1979، دعمت واشنطن هذه البرامج بقوة. أثناء تلك السنوات، بالطبع، كانت إيران تُحكم من قبل المستبد الوحشي الذي تبوأ الحكم بانقلاب عسكري أميركي - بريطاني أسقط الحكومة البرلمانية الإيرانية. اليوم، يتمثل الادعاء القياسي في أن إيران لا حاجة لها للطاقة النووية، ولذلك لا بد أنها تتبع برنامجاً سرياً للتسلح. وقد أوضح هنري كيسنجر أنه "بالنسبة إلى منتج نفط مثل إيران، فإن الطاقة النووية استعمال مبذر للمصادر". وحين كان وزيراً للخارجية قبل 30 سنةً، رأى كيسنجر "أن إدخال الطاقة النووية سيلبي كلا من الحاجات المتزايدة لاقتصاد إيران ويحرر الاحتياطيات النفطية الباقية للتصدير أو التحويل إلى بتروكيماويات"، وعملت الولايات المتحدة على دعم جهود الشاه. وجهد ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول ولفوفيتز، المخططون البارزون لإدارة بوش الثاني، لتزويد الشاه "دورة وقود نووي كاملة - مفاعلات تعمل على مواد انشطارية وتجددها على قاعدة مكتفية ذاتياً، وهي بالضبط القدرة التي يحاولون منع إيران من اكتسابها اليوم". وكانت الجامعات الأميركية ترتب تدريب المهندسين النوويين الإيرانيين، بلا شك بموافقة واشنطن، إن لم يكن بمبادرة منها؛ جامعتي أنا، على سبيل المثال، على الرغم من المعارضة الطالبية الساحقة. وسُئل كيسنجر عن تحوله، ورد بصراحته الجذابة العادية: "كانوا بلاداً حليفة". لذلك إذاً كانت عندهم حاجة أصيلة للطاقة النووية، قبل 1979، لكن ليس لهم حاجة مثل هذه اليوم.

وتقع البرامج النووية الإيرانية، بقدر ما هو معروف، ضمن حقوقها بحسب المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار النووي، التي تمنح الدول غير النووية الحق بإنتاج الوقود للطاقة النووية. لكن إدارة بوش تجادل بأن المادة الرابعة يجب أن تقوّى، وأعتقد أن ذلك مفهوم. عندما دخلت معاهدة عدم الانتشار النووي حيز التنفيذ في 1970، كانت هناك فجوة كبيرة بين إنتاج الوقود للطاقة وإنتاجه للأسلحة النووية. لكن بالتقنية المعاصرة، ضُيقت الفجوة. لكن أي تنقيح للمادة الرابعة يجب أن يضمن "وصولاً غير مُعرقل" للاستعمال غير العسكري، تماشياً مع الصفقة الأولية. وقد وُضع اقتراح معقول من قبل محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية: يكون كل إنتاج ومعالجة لمادة صالحة للاستعمال في التسلح خاضعاً للسيطرة الدولية، مع "ضمان أن يتمكن المستعملون المنتظرون الشرعيون من أن يحصلوا على إمداداتهم". يجب أن تكون تلك الخطوة الأولى، كما اقترح، نحو التطبيق الكامل لقرار الأمم المتحدة الصادر في 1993 والداعي إلى معاهدة لقطع المادة الانشطارية (دُعيت فيسبان)، تمنع إنتاج المواد الانشطارية في الدول كلا على حدة. وقد وُلد اقتراح البرادعي ميتاً. فالقيادة السياسية الأميركية، لاسيما في وضعها الحالي، لن توافق على نقل للسيادة كهذا. وحتى الآن، قبلت اقتراح البرادعي دولة واحدة فقط، على حد علمي: إيران في شباط الماضي. وهذا يقترح طريقة واحدة لحل الأزمة الحاضرة - في الحقيقة، أزمة أكثر جدية بكثير: إن الإنتاج المستمر للمواد الانشطارية من قبل الدول كلاً على حدة يمكن أن يصيب الإنسانية بالدمار.

تعارض واشنطن بنشاط أيضاً معاهدة فيسبان، المعتبرة من قبل الأخصائيين "الاقتراح الأكثر أساسية بشأن الأسلحة النووية". وعلى الرغم من هذا، في تشرين الثاني، صوتت لجنة الأمم المتحدة لنزع السلاح لصالح نسخة قابلة للإثبات من فيسبان. وكانت نتيجة التصويت 147 مقابل واحد، فيما امتنعت عن التصويت إسرائيل، في تطور يعكس الكثير، وبريطانيا، في تطور أكثر إثارة للاهتمام. وأوضح السفير البريطاني أن بريطانيا دعمت المعاهدة، لكن لا تستطيع أن تصوت لصالح هذه النسخة، لأنها "قسمت المجموعة الدولية" - قسمتها 147 مقابل واحد. وكانت نتيجة تصويت تال في الجمعية العامة الكاملة 179 مقابل اثنين، مع امتناع إسرائيل وبريطانيا ثانيةً. وانضمت بالاو إلى الولايات المتحدة.

نكسب بعض التبصر من ترتيب بقاء الأنواع بين أولويات قيادة القوة القيادية وحامل رمحها.

في 2004، توصل الاتحاد الأوروبي وإيران إلى اتفاقية على القضايا النووية: وافقت إيران على تعليق مؤقت لنشاطاتها القانونية في تخصيب اليورانيوم، ووافق الاتحاد الأوروبي على تزويد إيران "التزامات مؤكدة حول القضايا الأمنية". وكما يفهم الجميع، تشير عبارة "القضايا الأمنية" إلى التهديدات والتحضيرات الأميركية - الإسرائيلية الموثوق بها جداً لمهاجمة إيران. وليست هذه التهديدات، وهي انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة، مسألة بسيطة لبلاد عُذبت لـ 50 سنة من دون استراحة من قبل القوة العظمى العالمية، التي تحتل الآن بلداناً على حدود إيران، إذا تغاضينا عن الدولة التابعة التي هي القوة العظمى الإقليمية.

لقد التزمت إيران بجانبها من الصفقة، لكن الاتحاد الأوروبي، تحت الضغط الأميركي، رفض التزاماته. وأخيراً تخلت إيران عن الصفقة أيضاً. وتنص النسخة المفضلة في الغرب على أن إيران حطمت الاتفاقية، مثبتةً أنها تهديد خطير للنظام العالمي. وفي أيار 2003، عرضت إيران مناقشة المدى الكامل لأمور الأمن مع الولايات المتحدة، التي رفضت، مفضلة اتباع الطريق نفسها التي اتبعتها مع كوريا الشمالية. فحين تولت السلطة في كانون الثاني 2001، سحبت الإدارة شرط "لا نية عدائية" في الاتفاقيات السابقة ومضت في إصدار التهديدات الخطيرة، فيما تخلت أيضاً عن الوعود بتزويد زيت الوقود ومفاعل نووي. وفي ردة فعل، عادت كوريا الشمالية إلى تطوير الأسلحة النووية، ما شكّل جذوراً لأزمة حاضرة أخرى. كله يمكن توقعه ومتوقع.

هناك طرق لتسكين هذه الأزمات وربما إنهائها. الأولى أن تُلغى التهديدات التي تحض إيران عملياً (وكوريا الشمالية) على تطوير الأسلحة النووية. لقد كتب أحد المؤرخين العسكريين البارزين في إسرائيل، مارتن فان كريفيلد، أنه في حال لم يطور الإيرانيون أسلحة نووية، فهم "مجانين"، فوراً بعد أن بيّنت واشنطن أنها ستهاجم من تود مهاجمتهم طالما عُرف عنهم أنهم عزّل. لذلك ستكون الخطوة الأولى نحو إنهاء الأزمة إلغاء التهديدات التي من المحتمل أن تقود الأهداف المحتملة إلى تطوير رادع - الأسلحة أو الإرهاب نووي، أي الخيارات الفاعلة الوحيدة.

وستكون الخطوة لثانية الانضمام إلى الجهود الأخرى لإعادة تكامل إيران في الاقتصاد العالمي. وستكون الخطوة الثالثة الانضمام إلى بقية العالم في قبول معاهدة فيسبان، والانضمام إلى إيران في قبول اقتراح البرادعي، أو أي شيء مماثل - وأنا أكرر بأن القضية هنا تمتد أبعد بكثير من إيران، وتصل إلى مستوى البقاء الإنساني، من دون مبالغة. وستكون الخطوة الرابعة الالتزام بمادة معاهدة عدم الانتشار النووي، التي تلزم الدول النووية القيام بجهود "حسن النية" لإزالة الأسلحة النووية، وهو التزام قانوني ملزم، بحسب ما قررت محكمة العدل الدولية. لم تلتزم أي من الدول النووية بذلك الالتزام، لكن الولايات المتحدة في المقدمة بعيداً جداً في انتهاكها – وهذا، ثانيةً، تهديد خطير جداً للبقاء الإنساني. إن مجرد خطوات في هذه الاتجاهات كفيلة بتسكين الأزمة المقبلة مع إيران. قبل كل شيء، من المهم احترام كلمات محمد البرادعي: "ليس هناك حل عسكري لهذه الحالة. إنه غير معقول. إن الحل المتين الوحيد هو الحل المتفاوض عليه". وهو في المتناول. وتبدو الحالة مشابهة لحرب العراق: لا تحظى بالدعم من قبل الجيش أو الاستخبارات الأميركية، لكنها أولوية عالية للمخططين المدنيين لإدارة بوش.

هناك اتفاق عريض بين المحللين الإستراتيجيين البارزين على أن تهديد الحرب النووية حاد ومتزايد، وأن التهديد يمكن أن يُزال بإجراءات معروفة وفي الحقيقة ملزمة قانونياً. وإذا لم تؤخذ إجراءات مثل هذه، يحذرون "بأن تبادلاً نووياً حتمي في النهاية"، بأننا قد نواجه "خطراً كبيراً من الموت النهائي"، "قيامة من صنعنا". إن التهديدات مفهومة بشكل جيد جداً، وهي تُعزز بشكل واع. إن احتلال العراق مجرد المثال الصارخ الأكثر من غيره.

لقد دعا المخططون العسكريون والاستخباريون في عهد كلينتون إلى "السيطرة على البعد الفضائي للعمليات العسكرية لحماية المصالح والاستثمارات الأميركية"، في ما يشبه كثيراً طريقة عمل الجيوش والقوات البحرية في السنوات السابقة، لكن الآن مع قوة مسيطرة وحيدة، يجب تطوير "أسلحة ضاربة أساسها الفضاء [تمكّن] من تطبيق القوة الدقيقة من الفضاء وإليه وخلاله". وستكون إجراءات مثل هذه مطلوبة، كما قالوا، لأن "عولمة الاقتصاد العالمي" ستؤدي إلى "تقسيم اقتصادي واسع" بالترافق مع "تعميق الركود الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، والعزل الثقافي"، لذلك سيثور الاضطراب والعنف بين "المعدمين"، وسيُوجه معظمه ضد الولايات المتحدة. ولذلك يجب أن تكون الولايات المتحدة جاهزة للتخطيط لـ "ضربة دقيقة من الفضاء [باعتبارها] رداً على النشر العالمي لأسلحة الدمار الشامل" من قبل عناصر منفلتة. وذلك نتيجة محتملة للبرامج العسكرية الموصى بها، مثلما "التقسيم الواسع" هو النتيجة المتوقعة للنسخة المعينة للتكامل الدولي التي تدعى بشكل مضلل "العولمة" و"التجارة الحرة" في النظام العقيدي.

يجب أن تُضاف كلمة حول هاتين الفكرتين. كل منهما عبارة من عبارات الدعاية، وليس وصفاً. إن "العولمة" هي التعبير المستعمل لشكل معين من التكامل الاقتصادي الدولي، وقد صُمم – بما لا يدعو للاستغراب - لمصلحة المصممين، أي الشركات الدولية والدول القوية القليلة التي ترتبط بها بشكل وثيق. ويُتّبع شكل معارض من العولمة من قبل المجموعات التي تمثّل سكان العالم أكثر بكثير، أي الحركات الشعبية للعدالة العالمية، التي نشأت في الجنوب لكن المنظمات الشعبية الشمالية انضمت إليها الآن، والتي تجتمع سنوياً في المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي ولّد العديد من المنتديات الاجتماعية المحلية والإقليمية، مركزة على قضاياها الخاصة على الرغم من قيامها بذلك من ضمن الإطار الشامل نفسه. إن حركات العدالة العالمية ظاهرة جديدة كلياً، وهي ربما بذور ذلك النوع من الدولية الذي كان أمل الحركات العمالية واليسار منذ بداياتها الحديثة. هم يُدعون "ضد العولمة" في الأنظمة العقيدية السائدة، لأنهم يريدون نوعاً من العولمة موجهاً إلى مصالح الناس، وليس القوة الاقتصادية المركزة - ولسوء الحظ، فقد تبنوا في أغلب الأحيان هذا المصطلح المضحك.

تلتزم العولمة الرسمية بما يُسمى "اللبرالية الجديدة"، وهي أيضاً تعبير مضلل جداً: ليس النظام جديداً، وهو ليس تحررياً. إن اللبرالية الجديدة هي جوهرياً السياسة التي فُرضت بالقوة على المستعمرات منذ القرن الثامن عشر، بينما انتهكت البلدان الغنية حالياً هذه القواعد بشكل جذري، بالاعتماد الشامل على تدخل الدولة في الاقتصاد واللجوء إلى الإجراءات الممنوعة الآن في النظام الاقتصادي الدولي. وكان ذلك يصح على إنكلترا والبلدان الذي اتبعت طريقها من الحماية وتدخل الدولة، بما في ذلك اليابان، ذلك البلد الواحد في الجنوب الذي نجا من الاستعمار والبلد الواحد الذي حقق التصنيع. والحقائق معترف على نحو واسع من قبل المؤرخين الاقتصاديين.

تمثّل مقارنة بين الولايات المتحدة ومصر في أوائل القرن التاسع عشر واحداً من كثير من الإيضاحات المنيرة للدور الحاسم للسيادة والتدخل الهائل للدولة في التنمية الاقتصادية. فبعد أن حررت نفسها من الحكم البريطاني، كانت الولايات المتحدة قادرة على متابعة إجراءات مثل هذه، وتطورت. في هذه الأثناء كانت القوة البريطانية قادرة على منع أي شيء من هذا النوع في مصر، وانضمت إلى فرنسا لفرض مذهب اللورد بالمرستون القائل إن "لا أفكار إذاً منصفة لمحمد [علي] يجب أن تقف في طريق مصالح عظيمة وأساسية مثل هذه" كمنع المنافسة في شرق البحر المتوسط. لقد أبدى بالمرستون "حقده" على "البربري الجاهل" الذي تجاسر وطبّق التنمية الاقتصادية. وترن الذكريات التاريخية عندما تطلب اليوم بريطانيا وفرنسا، في لعبهما دور الواجهة للولايات المتحدة، أن تعلق إيران كل النشاطات المتعلقة بالبرامج والصواريخ النووية، بما في ذلك البحث والتطوير، لكي تُمنع الطاقة النووية وتكون البلاد التي هي ربما تحت التهديد الأعظم بين بلدان العالم من دون رادع لأي هجوم - هجوم من قبل الطرف المحق. ربما نحن نتذكر أيضاً أن فرنسا وبريطانيا لعبتا الدور الحاسم في تطوير ترسانة إسرائيل النووية. إن الأحاسيس الإمبراطورية حساسة في الحقيقة.

لو كانت تتمتع بالسيادة، ربما مرت مصر بثورة صناعية في القرن التاسع عشر. لقد اشتركت في العديد من الفوائد التي كانت للولايات المتحدة، ماعدا الاستقلال، الذي سمح للولايات المتحدة أن تفرض التعرفات العالية جداً لمنع السلع البريطانية المتفوقة (المنسوجات، الفولاذ، وغيرها). وأصبحت الولايات المتحدة في الحقيقة زعيم العالم في الحماية حتى الحرب العالمية الثانية، عندما غمر اقتصادها أي اقتصاد آخر بحيث باتت "المنافسة الحرة" محتملة. وبعد الحرب، أصبح الاعتماد الهائل على القطاع الديناميكي للدولة مكوناً مركزياً للاقتصاد الأميركي، إلى درجة أكبر مما كان عليه قبل ذلك، مباشرة إلى الوقت الحاضر. ولا تزال الولايات المتحدة ملتزمة الحماية، عندما تكون مفيدة. وكانت الحماية الأكثر تطرفاً في عهد ريغان - مصحوبة، كالمعتاد، بالمديح البليغ عن التحررية، المقدم للآخرين. فقد ضاعف ريغان عملياً الموانع الوقائية، واتجه إلى الأداة العادية أيضاً، البنتاغون، للتغلب على حالات فشل الإدارة و"تجديد تصنيع أميركا"، الذي كان شعار صحافة الأعمال. وعلاوة على ذلك، ضُمت مستويات عالية من الحماية إلى ما يُسمى "اتفاقيات التجارة الحرة"، المصممة لحماية القوي وصاحب الامتيازات، بالأسلوب التقليدي. وصح الأمر نفسه مع مغازلة بريطانيا لـ "التجارة الحرة" قبل قرن، عندما جعلت 150 سنة من الحماية وتدخل الدولة من بريطانيا الاقتصاد الأقوى في العالم. لكن على الرغم ذلك واصلت الاعتماد على الأسواق المحمية، وتدخل الدولة، وأيضاً على أدوات لا يقيم لها وزناً المؤرخون الاقتصاديون، مثل المشروع الأكثر إثارة للدهشة في العالم لتجارة المخدرات، الذي صُمم لاقتحام سوق الصين، وأيضاً إنتاج أرباح موّلت البحرية الملكية، أي إدارة الهند المحتلة، وشراء القطن الأميركي - وقود الثورة الصناعية. ذلك كان أيضاً مستنداً على التدخل الرسمي الجذري، كالعبودية وإبادة الشعب المحلي. وعندما لم تعد بريطانيا تستطيع التنافس مع اليابان، أغلقت الإمبراطورية في 1932، وتلتها السلطات الإمبراطورية الأخرى، في ما يمثّل جزءاً حاسماً من خلفية الحرب العالمية الثانية. إن للحقيقة حول التجارة الحرة والتنمية الاقتصادية مجرد شبه محدود بالمذاهب المعلنة.

وفي كافة أنحاء التاريخ الحديث، كان للديمقراطية والتنمية عدو مشترك: خسارة السيادة. في عالم يتألف من دول، يصح بالتعريف أن تراجع السيادة يستتبع تراجع الأمل بالديمقراطية، وتراجع القدرة على تنفيذ السياسة الاجتماعية واقتصادية. وهذا بدوره يضر بالتنمية، وهذا استنتاج تؤكده جيداً قرون التاريخ الاقتصادي. إن عمل المؤرخ الاقتصادي شهيد علام يلقي الضوء بشكل خاص في هذا المجال. في المصطلح الحالي، تُسمى الأنظمة المفروضة لبرالية جديدة، لذلك من العدل القول إن العدو المشترك للديمقراطية والتنمية هو اللبرالية الجديدة. وفيما يتعلق بالتنمية، يمكن أن يناقش المرء السببية، لأن النمو الاقتصادي مفهوم بشكل ضعيف جداً. لكن الارتباطات واضحة إلى حد معقول. فالبلدان التي اتبعت مبادئ اللبرالية الجديدة بصرامة شديدة، كما في أميركا اللاتينية وفي أمكنة أخرى، واجهت هبوطاً حاداً في المؤشرات الاقتصادية الكلية بالمقارنة مع السنوات السابقة. وتلك التي أهملت هذه المبادئ، كما في شرق آسيا، شهدت نمواً سريعاً. إن أذى اللبرالية الجديدة للديمقراطية واضح ومفهوم. فعملياً كل ميزة من ميزات رزمة اللبرالية الجديدة، من الخصخصة إلى تحرير التدفق المالي، تقوّض الديمقراطية لأسباب واضحة ومشهورة.

هذه الملاحظات القصيرة تفتح موضوعاً كبيراً يستتبع الكثير من الكلام، لكن لسوء الحظ ليس الآن.

إن الأزمات التي نواجهها حقيقية، ووشيكة، وفي كل حالة الوسائل متوفرة للتغلب عليها. إن الخطوة الأولى هي التفهم، ثم التنظيم والعمل الملائم. وهذه الطريق كانت في أغلب الأحيان متبعة في الماضي، محققةً عالماً أفضل بكثير وتاركةً تراثاً من الحرية والامتياز المقارنين، بالنسبة إلى البعض على الأقل، ويمكن أن تكون القاعدة للمضي قدماً. أما الفشل في فعل ذلك فأكيد تقريباً أنه سيؤدي إلى نتائج قاتمة، قد تكون نهاية التجربة الوحيدة لعلم الأحياء في مجال الذكاء الأعلى.

 

 قُدم الخطاب في 12 أيار 2006 في مسرح المدينة، بيروت.

الترجمة لعبد الرحمن أياس

 

نوعام تشومسكي المنشقين السياسيين الأبرز في أميركا. هو أستاذ شهير في علم اللغة في معهد ماساتشوستس التكنولوجي (MIT)، ويعود إليه الفضل في خلق نظرية النحو التوليدي (generative grammar)، المعتبرة في أغلب الأحيان المساهمة الأهم في حقل علم اللغة النظري في القرن العشرين. وخارج المجال الأكاديمي، يُعرف تشومسكي على نحو واسع لنشاطه السياسي، ولنقده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة والحكومات الأخرى. ألف أكثر من 30 كتاباً سياسياً تناقش قضايا مثل التدخل الأميركي في العالم النامي، والاقتصاد السياسي لحقوق الإنسان ودور شركات الإعلام.

 

 
 

© حقوق النشر لكل النصوص المترجمة على الموقع محفوظة لدى مؤسسة هينرخ بل - مكتب الشرق الأوسط

 

 

 

الصفحة الرئيسية


 
 
 
 

أصوات أخرى

مقال مترجم حديثا ً إلى العربية

أنطون بيلنكا
عن مخاطر الثقافوية التعددية
 في مواجهة تبسيط فكرة الثقافة الإتنية

قراءات إضافية من مشروع الترجمة
 أصوات أخرى

قريبا

السلطة،الحاكمية، المقاومة وحالة الاستثناء في الوطن العربي

بيروت، 29-30 أب، 2008

 

القوى الصاعدة والشرق الأوسط
بيروت، 24-25 تشرين أول، 2008

ملف

اللاجئين العراقيين

 

التغيير المناخي والشرق الأوسط

 

الحرب في دارفور

إصدارات جديدة

مدن الجنوب: المواطنة والإبعاد في القرن الواحد والعشرين (انكليزي)
مجلد محرر نشر بالتعاون مع
Institute Français du Proche Orient (IFPO) عن دار الساقي