نصوص
 

الحداثة والحداثة المضادة في العولمة الثقافية
دعوة لخطاب لكن واعٍ تاريخياً

 

 

ديتر سينغهاس

 

 

 نسخة للطباعة (pdf)

الملخص

 

 

يجب ان ينطلق الحوار بين الثقافات من الواقع كما هو. فهو يحدث في سياقٍ يحمل العديد من التَّشابهات مع خصائص الاقتصاد العالمي الهيكلية؛ وهذه الورقة تنظر في هذه التناظرات الهيكلية وتتلمَّس استخدام التجارب التاريخية والمقارنة، ولاسيَّما تصوير النزاع الثقافي في التاريخ الأوروبي على نحوٍ واقعي.

 

 

منذ منتصف التسعينيات، احتلَّ مصطلح "العولمة" مركزاً بارزاً في الخطاب السياسي والأكاديمي في كافَّة أنحاء العالم. ومن المعروف، استناداً إلى التجارب المماثلة المتعلقة بتحوُّل عبارات معيَّنة إلى جزء من الخطابات العامة، أنَّ عملية كهذه تعكس، دائماً، وقائع حقيقيةً. وبالرغم من هذا، تمثِّل الفكرة التي دُمجت في الخطابات العامة مشكلةً –على نحو ما يكثر في البلدان المتطورة جداً- عندما تُفترض تطوُّرات متوازية ومتجانسة من أنحاء العالم، بما يؤدِّي إلى صورة محرَّفة للعالم، لا بل صورة خاطئة عنه. ولذا، ما يزال العالم يميز نفسه من خلال بنيات ثانوية متميزة جداً، وبمعنى آخر، عوالم ثانوية تستند إلى الطبقات الهرميَّة التي لا تقوم ببساطة بعضها بجانب بعض، ولكنَّ واحدها يتعلَّق بالآخر بشكل واضح. [1]

 

ولا ينطبق مثل هذا القول على الاقتصاد السياسي العالمي فحسب، في ما يتعلَّق بوجود المراكز المتماثلة المرتبطة ببعضها والمراكز اللامتماثلة المعتمدة على بعضها، والمراكز الثانوية، ونصف الأطراف، والأطراف الثانوية، بل إنَّه يشير أيضاً إلى جوانب ثقافية معينة السياق وذات علاقة على الصعيد السياسي. والنقطة الأخيرة بالضبط يجب أن تُدرَس بعناية – وهي التي تتضمَّن الجوانب الثقافية في تشكيلات اجتماعية معينة، تتقرَّر في الوقت الحاضر اقتصادياً بشكل رئيسي- إذا كان لحوارٍ منتجٍ بين الثقافات أن يُنجز.

 

 

1.  سياقات الاقتصاد العالمي ذات العلاقة على المستوى الثقافي

 

بين المجتمعات الصناعية المتطورة - بلدان "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" (OECD)- يمكن ملاحظة العمليات المُنقِصَة من أهمية الحدود، التي تؤدِّي إلى خلق علاقات اعتماد معقَّدة متبادلة بين كل الأبعاد (السياسة، الاقتصاد، المجتمع، الثقافة). وهذه العملية تُطوَّر على نحوٍ واسعٍ في القطاع الاقتصادي؛ ومن الأمثلة على هذا التطوُّر المُتسارع للسوق الأوروبية، التي تتميَّز في الوقت الراهن بحِرَاك العوامل الاقتصادية الحاسم، المرتفع، المدفوع بالتجارة الحرة. كما تتميَّز علاقات التبعيَّة المتبادلة على هذا المستوى بالتناظر وتقسيم العمل التعويضي. وتهدف الاقتصاديات المعنية كلها إلى الإنتاج المندفع برأس المال وبالتقنية وبالمعرفة –وكلها اقتصاديات متكافئة من حيث التنافسية، وتصدِّر المنتجات نفسها ذات القيمة المضافة المرتفعة عبر الحدود الوطنية الحالية. ويخلق هذا التكافؤ، في الوقت نفسه، تنافساً متزايداً وأسواقاً متكاملة، تتجاوز الحدود الحالية. ولأنَّ التنافس يقع على المستوى التكافؤي نفسه، فهو يؤدِّي إلى ما يمكن أن يُطلق عليه "العولمة الفاخرة" (globalization de luxe)، أي اختراق الأسواق المتناظر بالمنتجات التقارُنيَّة والتبادلية. ويمثل هذا النوع من تقسيم العمل حالة ربح دائم لكل شخص معنيٍّ به، بما في ذلك المستهلكين.[2]

 

بيد أنَّ الحالة نادراً ما تكون كذلك خارج اقتصاديات "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" (OECD). وأمَّا على المستوى العالمي، فإننا نواجه، بالأحرى، تقسيماً يتَّسع على مستوى الكفاءات بين اقتصاديات مرتفعة الإنتاجية وبين اقتصاديات ذات إنتجاية أقل. فهذه الأخيرة تواجه تنافساً دراماتيكي الانزياح (displacement) يُخرجها من الأسواق؛ ويضعها تحت ضغط يهمِّشها. وبمعنى آخر، فإنها تقع تحت خطر التهميش والدَّفع بها إلى أطراف الاقتصاد العالمي. [3]

 

ومن الطبيعي أنَّ اختلاف الإنتاج هذا، من حيث كفاءاته ومنافسته غير المتناظرة الناجمة، لا يتطوَّر على نحوٍ متكافئ في كل مكان. فالواضح أنَّ الاقتصاد الأقل إنتاجاً (économie dominée) يعرض تشكيلة من ردود أفعال مختلفة في المواجهة مع الاقتصاد المنتج المهيمن(économie dominante) . فالهبوط والخراب، وكذلك الارتداد، عبارة عن ردود أفعال محتملة تمكن ملاحظتها في أغلب الأحيان (كما هي الحال، راهناً، في بلدان جنوب الصحراء الأفريقية). أما رد الفعل المحتمل الآخر الذي تجدر ملاحظته بصورة تجريبية (كما كانت الحال في أميركا اللاتينية حتى فترة قريبة) فهو إغلاق الأسواق الجزئي المصحوب بمحاولات التطوير الذاتي المتمركز (التصنيع من خلال الاستبدال الاستيرادي). ويمكن وصف نوع ثالث من ردود الفعل، وهو أمر نادرنسبياً، بوصفه رداً إبداعياً على التحدِّي الموصوف أعلاه، حيث تُعبَّأ كل القوى لتقاوم المنافسة المُزِيحَة وتواجهها بنجاح. ويُجابه الاقتصاد مرتفع الإنتاجية بمنافسة مُزِيحَة من نوعٍ مختلف: فالمنافسون يُواجهون في بادئ الأمر بمنتجات أساسية، تليها منافسة بمنتجات أكثر تركيباً وتعقيداً ُأنتجتها عمالةٌ ذات كلفة بالغة الانخفاض، ممَّا يؤدي بالتالي إلى "انعكاس التبعية"؛ بمعنى آخر، منافسة مزيحة معكوسة يشنُّها داخلون متأخِّرون إلى عملية التطوير ضد البلدان الصناعية القديمة (ومثال على ذلك شرق آسيا على امتداد العقود الماضية).

 

ولكن، وعلى نقيض الحالة الاستثنائية المذكورة أعلاه، تؤدِّي العولمة عادة في المجتمعات والاقتصاديات الأقل إنتاجيةً إلى "التغاير الهيكلي" (struvtural heterogeneity)، وهذا مصطلح وضعه باحثون تطويريون بشكل صحيح قبل عقد من الزمن. يميِّز هذا المصطلح بنية اجتماعية واقتصادية، حيث تتعايش مستويات الإنتاج وطرقه المختلفة بطريقة هرمية تراتبية ذات طبقات. فمن ناحية، تتعايش شركات تابعة مرتفعة الإنتاجية من مجموعات متعدِّدة الجنسية مع اقتصاد ضئيلٍ ذاتي الاكتفاء. ومن ناحية أخرى، تُحشَر بين هذين الاثنين الصناعة المحلية الهشة والقطاع الخدمي المتضخم الذي يكافح من أجل البقاء. والنتيجة المشتركة الناجمة عن تركيب كهذا، يشمل اختلافاً من حيث التجهيزات الرأسمالية والتقنية والقدرات الإدارية والكفاءات والقوة والدخل، ليست سوى تأكيدٍ على الفجوة القائمة بين الغني والفقير، وبين المميَّز والمهمَّش ضمن المجتمع نفسه. وفي مثل هذا التشكُّل، سيؤدِّي النمو الاقتصادي إلى تعاظم اللاتجانس الهيكلي، بدلاً من تناقصه. أما مجانسة الاقتصاد، بوصفها عملية ضرورية لإنجاز تطور ناجح، فلا تحدث. ويمكن العثور على النتائج في الكوارث الاجتماعية التي تدمِّر الدول النامية، وكانت محور مناقشات سياسة العالم الثالث مراراً وتكراراً. [4]

 

قبل عقود قليلة، كانت المناقشة العاطفية الدائرة حول التطوير في أميركا اللاتينية تنعكس في "تكامل رأسمالي عالمي وتفكُّك وطني متزامنين" – وهي سمة أساسية لما يسمى بمناقشة التبعية (dependencia)، وفي هذه الأثناء، بلغت الحالة حدها الأقصى في تلك البلدان، حين تعاظمت اختلافات الكفاءات ومعدل الإنتاجية والتهديد والتهميش بشكل أكبر. ففي الماضي نظر باحثون (مثل: أ. كوردوفا ، إف. إتش. كاردوسو، آر. إم. ماريني، أي. كويجانو وأو. سونكيل) في الحالة الأميركية اللاتينية، فيما تعامل آخرون (كسمير أمين) مع أفريقيا وبقية العالم. وقد وضع باحثون آخرون ملاحظات متعلقة بـ "نقطة بداية تحليل النظام العالمي". (آي. واليرشتاين).  [5] وهكذا، فإنَّ مشكلة العولمة ("التكامل الرأسمالي العالمي")، التي تشمل جزءاً رئيسياً من العالم اليوم، ليست ظهوراً جديداً، وكذلك نتيجتها القاسية: "التفكك الوطني" باعتباره نتيجة تنافسٍ مُزِيحٍ لامتناظر تصل إلى الأطراف الثانوية من مراكز الاقتصاد العالمي؛ ذلك أنَّ العولمة، بالنسبة إلى المجتمعات النامية، وُجدت قبل فترة طويلة من تداولها مصطلحاً.

 

ولهذا السبب، يبدو من المفيد إعادة فحص حقائق العولمة قبل استحداث المصطلح، تفادياً لاعتبار "العولمة الفاخرة" نموذجاً لبقية العالم، كما سبقت تجرّبته في سياق "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية". [6]

 

 

2. تناظر جوانب الحياة الثقافية الهيكلي

 

من وجهة نظر اقتصادية، يصبح التناظر الهيكلي (structural analogy) المتعلق بـ "العولمة الثقافية" ظاهراً. وهنا، مجدَّداً، تبدو الصورة متعدِّدة الطبقات ضرورية. فالحدود الوطنية (القومية) تفقد أهميتها الأساسية أيضاً، لكن النتائج تختلف كثيراً استناداً إلى ما إذا كان السياق سياق عالم "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" أو سياق أجزاء أخرى من العالم.

 

ففي عالم "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" يُعتبر التبادل الثقافي إثراءً نوعياً بغضِّ النظر عما إذا كانت جذوره تكمن في المجتمعات المتطورة الأخرى أو في بقية العالم. فهذا التبادل يقوي تنوُّع النبضات الثقافية، سواءٌ أكان في الفنون أم في السينما أم في الموسيقى ("الموسيقى العالمية") أم في الأدب. ويزيد هذا التنوُّع العرض الثقافي المعروض، الواسع أصلاً، ممَّا يشدِّد ذوق هذه المجتمعات الكوزموبوليتاني بعد الحداثوي. ويحدث خليط من الأساليب، سواء أكان على شكل تهجين أم مصالبة (crossing) أم عمليات ذوبان مشابهة.  [7] في هذه الثقافة الشعبية واسعة النطاق تبدو هذه الحوادث مثيرة للاهتمام، بل مثيرة ثقافياً، ولكنها لا تتَّسم عادة إلا بأهمية سياسية صغيرة. ومن الواضح أنَّ المجتمعات المعنية قادرة على امتصاص هذه النبضات العديدة من دون المخاطرة بحصول أزمةٍ للهوية (الثقافية). والأهم أنَّ المشهد الثقافي التعدُّدي الملوَّن بشكل متزايد لم يُعرف أنَّه يهدِّد جوهر الثقافة السياسية، أو هو لم يُدرَك بعدُ أنه يفعل ذلك على الأقل، أي أنَّ قبول التعدُّدية والقدرة على التعامل بشكل بنَّاء معه بمساعدة الإجراءات المُمَأسَسة. وفي ما عدا إدماج المهاجرين، الذي يشكل مجرد مشكلة محدَّدة إقليمياً، يمكن أن تعتبر ذلك  "عولمة ثقافية فاخرة".

 

أمَّا في مجتمعات العالم النامية فالحالة مختلفة جداً في معظم الأحوال. فإنَّ التأثير الثقافي الخارجي - الناجم عن عالم "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" المتفوق اقتصادياً وتقنياً وإعلامياً -  يُختبر في أغلب الأحيان باعتباره هجوماً مباشراً على هوية المرء (الضعيفة أصلاً). فهذه الثقافة الأجنبية، التي تفرض نفسها من المراكز، تُدرك، إذن، باعتبارها جزءاً لا يتجزَّأ من تنافسٍ مُزِيح ثقافي عدواني، مبني على نحوٍ لاتناظري. وكالحالة الموصوفة في الحقل الاقتصادي، توجد ثلاثة أنساقٍ أساسية من ردود الفعل حيالها هي: الارتداد نتيجة الإِعْبَاء (overburdening)؛ والمقاومة تعبيراً عن المعارَضة (ومثل هذه الظاهرات توجد أيضاً في المجتمعات المتطورة جداً (كما في فرنسا، مثلاً، في ما يتعلَّق بالتأثير الثقافي الأميركي الساحق)؛ ومن حين لآخر، الإبداع، أي خلق شيء جديد رداً على تحدٍّ ساحق.

 

بيد أنَّه من المرجَّح أن يؤدِّي التنافس المُزِيح -كما نلاحظ على المستوى الاقتصادي- إلى نشوء "لاتجانس هيكلي" في هذه الحالة من منظور ثقافي.   [8]وكنتيجة للعولمة الثقافية، تنشعَّبُ المجتمعات إلى أقسام تشمل توجيهات فكرية وثقافية مختلفة. فالـ "الغربيون" الذين لا يبدون مرتاحين فقط بالثقافة الغربية (تعدُّدية المصالح والهويات، الفردانية، المساواة الجُنُوسِيَّة، تقرير المصير، إلخ...)، بل إنهم يتمنَّون، أيضاً، أن تطوِّر مجتمعاتهم الخاصة أنساقاً ثقافيةً مماثلة بسرعة، الأمر الذي يعتبرونه شرطاً مسبقاً لإنجاز التطوير المدني، المعتبر ضرورياً، في سياق التغلُّب على التبعية الهيكلية. وهناك، أيضاً، أولئك الذين يهدفون إلى إدماج بناء تمثُّلي من الحداثة والأنساق الثقافية التقليدية، ساعين إلى حفظ ثقافتهم الخاصة، مع أنهم لا يرغبون في التخلِّي عن بركات التكنولوجيا. وهؤلاء، الذين يُلقَّبُون بـ "أنصار نصف الحداثة" لا يهدفون إلا إلى تحديث العلم والتكنولوجيا، متمنِّين ترك ثقافتهم سليمة على حالها. وهناك غيرهم، كالـ "التقليديين" مثلاً، ممَّن لا يهتمون إلا بالنظر في الماضي، متمنِّين التركيز عليه وحسب؛ فيصبحوا ممثلين لعملية تُعرَف كذلك بـ"اختراع التقاليد". وأخيراً، هناك رد الفعل الأصولي على مستوى محلي، فضلاً عن المستوى الدولي، الذي يرتكس بقوة إزاء التحديات الناجمة عن الثقافة الغربية ("الشيطان"، "إبليس")، حيث يعبَّر عنه حتى في بعض الحالات بالإرهاب المحلي أو الدولي. بيد أنَّ مضمون ردِّ الفعل الأخير، الثقافي، هو أقل ما يمكن، أو هو غير موجود. فالعنف الإرهابي يستهدف نشر الخوف، بينما يعبِّئ المتعاطفين نيلاً لدعمهم. والأهم أنَّ الإرهاب يستخدَمُ بوصفه آلة لكسب القوة. وأمَّا الثقافة -الدين بشكل أكثر تحديداً- فتُوظَّف عادةً بأسلوبٍ جدِّ انتهازي، يؤدِّي إلى اللاثقافة، بل يؤدِّي في الحالات المتطرفة إلى الإجرام العالمي المتخفِّي تحت عباءة ثقافية أو دينية.   [9]

 

والجدير بالملاحظة هنا أنَّ ردَّ الفعل الثقافي/ السياسي الصلب، في حالة معطاة، يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على نجاح عمليات التحويل الاقتصادي الاجتماعية والسياسية أو فشلها. فإذا كانت عمليات التحويل هذه تميل إلى أن تكون ناجحة نسبياً، وتؤدي بالتالي إلى "الترقية" في المدى البعيد -كما كانت الحال في شرق آسيا- فقد تكون عمليات التغيير الثقافي مؤلمة، ولكنها ستتميَّز عموماً برغبة في التكيُّف والتعلُّم.  [10] وفي المجتمعات التيتشعر أنها غرقت في أزمة تطوير عميقة ومزمنة -وبمعنى آخر، أزمة من دون نهاية قريبة- فسيُشدِّد الاحتكاك الثقافي ظاهرة اللاتجانس الاقتصادي الهيكلي وويزيد التقسيم الطبقي الاجتماعي. وهذا يسمح بنشوء تشكيلة واسعة من ردود الأفعال، التي يمكن أن تكون ملاحظة في أغلب الأحيان بشكل متزامن. وعلى خلفية أزمة تطوير مزمنة، تُعرف كذلك بـ"التخفيض"، ستصبح النزاعات الثقافية متحصنة حتماً، وتتحوَّل في أغلب الأحيان إلى مجابهة مسلحة على تنظيم المجال العام، وبالتالي إلى حادثة عامة وسياسية بامتياز. وسيحدث صدام ثقافة بالمعنى الحقيقي: أي نزاع على الخيارات المختلفة لتنظيم الشؤون العامة. وبعد ذلك، ستُعتبر النزاعات الثقافية صراعات على السلطة على نحوٍ متزايد، وهي في النهاية صراعات دستورية، كونها تتعامل مع المسائل الأساسية المتعلقة بنظام المجتمع المستقبلي. ويمكننا الاستشهاد بالنزاع القائم حول التوجُّهات الثيوقراطية مقابل التوجُّهات العلمانية في البلدان الإسلامية، أو الخلطات الهجينة المتشكِّلة من كلتيهما ، كما كانت الحال في إيران خلال السنوات القليلة الماضية ("دولة الله كجمهورية"). [11]

 

وتكشف الصراعات الثقافية من هذا النوع أزمة وجودية حول الهوية، تتَّخذ شكل النزاعات على السلطة. وليست لاتجانسية الثقافة والوعي جديرةً بالملاحظة فقط على مستوى اجتماعي، أو في بعض الطبقات الاجتماعية، ولكن ضمن الفرد نفسه بشكل خاص. ولن تحمل هذه التطوُّرات أيَّ تشابه إلى اللامبالاة اللعوب، المؤثِّرة في مفاهيم ما بعد الحداثوية، التي تميِّز "العولمة الثقافية الفاخرة". وفي الحالات المتطرفة، تتحول مثل هذه النزاعات إلى نزاعات قاتلة (الجزائر، إيران).

 

ولذا، فمن المفضَّل أن تُحدَّد السياقات المختلفة ويُفرق بين الخصائص شعورياً، كما الحالة في المناقشة الاقتصادية (والعامة) القائمة حول العولمة. ومن ناحية أخرى، من الضروري التنبُّه إلى اعتماد جوانب الحياة الثقافية والاقتصادية على نحو متبادل، ضمن السياقات الخاصة الممتلئة بالنزاع نموذجياً.

 

 

3. استنتاجات لحوار منتج بين الثقافات

 

أيُّ الاستنتاجات يمكن استخراجها من الملاحظات المختصرة التي أوردناها عن الحوار بين الثقافات، وهو يعتبر مطلباً ملحَّاً وضرورياً في يومنا هذاً؟

 

ما يمكن ملاحظته، راهناً، من إشارات تتعلَّق بالعولمة الاقتصادية والثقافية والتغيُّر الاجتماعي الأساسي العميق في مجتمعات العالم النامية هو ما توقظه الذكريات من تجارب متقارنة عانتها أوروبا ودخلت حيِّز النسيان إلى حدٍّ كبير. فقد حوَّلت التعبئة الاجتماعية في أوروبا (وتحديداً في أوروبا الشمالية والغر بية)، حوالى عام 1750، إلى مهدٍ لزخم تحديثي دراماتيكي، وأطلقت الثورة الثقافية التالية، مصحوبة بنزاعات عميقة تجاذبت النظام الاجتماعي والسياسي، وخلقت اشتباكات ثقافية أيضاً كما أوردنا آنفاً.

 

ولذا، فإنَّ التغييرات السياسية والاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية الثقافية الحالية، التي تحدث في المجتمعات النامية، ستبدو مألوفة بالنسبة إلى المراقبين العارفين بتاريخ التطور الأوروبي. فمثلما حدث مرة في أوروبا، يمكن أن تلاحظ تعبئة اجتماعية دراماتيكية حول العالم: مجتمعات كاملة تفقد صفتها الريفية، أو اكتسابها بالأحرى صفة تمدُّنها، انتشار معرفة القراءة والكتابة، نمو النشاط السياسي، تزايد سهولة وصول السكان اللاسياسيين أساساً  إلى التنظيم السياسية. وهذا يقود، من وجهة نظر علمانية، إلى تعددية المصالح والهويات المسيَّسة، التي تتَّخذ الصفة الطبقية تدريجاً؛ كما يقود من ثَمَّ إلى مسألة التعايش الحديثة: أي إجراءات مؤسساتية رابطة تنطبق وتُقبَل باعتبارها شرعية في مجتمع تعددي لكي يُتعامل بسلام مع النزاعات المسيَّسة دائماً والحتمية؟ وقد أرخت هذه المشكلة بثقلها عبر التاريخ الأوروبي الحديث بأكمله، وهذه المشكلة هي بالضبط هي ما يميِّز النزاعات السياسية اليوم في أجزاء مهمَّة من العالم غير الأوروبي. [12]

 

من المهم التأكيد أنَّ أزمة الهوية الثقافية الفتاكة سياسياً، التي اختُبِرَت في العديد من مجتمعات العالم النامية (بما في ذلك المناطق التي التزمت سابقاً "الاشتراكية الواقعية")، لا يمكن التغلُّب عليها بالسعي، بشكل خاص، من خلال العودة إلى التقاليد الأصلية، ولا باعتناق النماذج الأجنبية ببساطة -بالرغم من أنَّ كليهما يمكن أن يُلاحظ من حين إلى آخر. ومثلما كانت الحال في أوروبا ذلك الوقت، يصبح الحل محتملاً، فقط، من خلال التسويات التي تنجم عن النزاعات السياسية. ومثل هذه التسويات، المشروطة بميزان قوى، يجب أن تنتزع من أولئك الممكَّنين بالوضع الراهن، فهي نموذجياً عبارة عن "تغييرات ضد رغباتهم". والأحداث في أوروبا لم تجرِ على نحوٍ مختلف: فالإنجازات المعتبرة، راهناً، أساسية لتركيب النظام العام في أوروبا والعالم الغربي وتشكيله (حماية الحقوق الأساسية الفردية، المساواة القانونية، الفصل بين السلطات، إلخ...)، كانت مبادئ فاعلة في النظام السياسي الأوروبي قبل الحديث. وكفكرة التسامح، فتلك كلها نتاجات متأخِّرة جداً من التطوير المدني في نصف الكرة الأرضية الغربي. [13]

 

أمَّا في ما يتعلَّق بأوروبا فيجب تذكُّر ما يلي: إنَّ التحضر في التعامل مع النزاعات الاجتماعية الحديثة التي يمكن ملاحظتها في البلدان الأوروبية الرئيسية، لم يكن أبداً "مطبوعاً في جينات" التراث الثقافي الأوروبي القديم؛ بل إنَّه نتيجة للنزاعات التي دامت عقوداً، وحتى قروناً. وفي جنوب أوروبا، لم تصبح الإنجازات المدنية من الثقافات السياسية الحديثة قاعدة النظام السياسي، إلا بعد تقوُّض النظامين الفاشيَّين في البرتغال وإسبانيا، وانهيار النظام العسكري في اليونان. وفي أوروبا الشرقية والوسطى، وكذلك في البلطيق، حدثت مثل هذه التغييرات بعد انهيار الاشتراكية الواقعية. ففي هذه المنطقة، وفي جنوبها الشرق، وفي دول البلقان، لم تكن المبادئ التنظيمية من النظم السياسية الحديثة ومحتوياتها الثقافية، راهناً، سوى مجرَّد واجهاتٍ، في أغلب الأحيان، تواجه دائماً خطر الانتكاس في أي لحظة.

 

ومَنْ يعتبر الثقافة الأوروبية، وبصورة خاصة ثقافتها السياسية التعددية، نتيجة لـ "عملية تعلُّم جماعية"نزاعية وتشنجُّية، في أغلب الأحيان، نادراً ما سيفترض نظرة شمولية وجوهرية حيال النزاعات السياسية الاجتماعية، في مكان آخر، أو هو سيستنتج جوانب ثقافية متجانسة (مثل "القيم الآسيوية/الإسلامية.وعل النقيض من ذلك، فقد رأينا، منذ مدة، كيف أنَّ الثقافات غير الأوروبية، أظهرت إشارات دالَّة على نزاعٍ داخلي، فيما هي تنزع إلى التغيير الاقتصادي الاجتماعي الواضح والنزاعات السياسية الناتجة؛ وانجذبت نحو التعددية الطبقية والفكرية؛ وأصبحت واعية ومنعكسة ذاتياً في ما يخص هذه التطورات. وإذا أُخرِج بطريقة عاقلة، يسهِّل هذا "الصدام داخل الحضارات" حواراً بين الثقافات، ولاسيما إذا أُبقي تاريخ النزاعات الأوروبي (الغربي) في الذهن، بالإضافة إلى صورة ذاتية واقعية. [14]

 

وبخصوص المسلمة الأخيرة، سيكون من المساعد إذا تذكر الأوروبيون (أو الغربيون) النقاط التالية: [15]

 

1. كانت المجتمعات الأوروبية القديمة -ما قبل الحداثوية (pre-modern societies)، التي وجدت حتى القرن التاسع عشر، وجزئياً إلى القرن العشرين- متجذرةً بالضبط في تلك القيم التعاونية-الجماعية المستندة إلى الطبقات والملكية، التي تُعتبر في الوقت الحاضر معادية للغرب في مكان آخر. والقيم التي تُنشر اليوم باعتبارها "قيماً آسيوية"، هي ببساطة القيم المثالية للمجتمعات التقليدية، ويمكن لذلك، في وقتٍ ما، أن توصف على نحو ملائم بالأندلسية والسوابية والأناضولية واليابانية والبنجابية، وهلمجرا؛

 

2. إنَّ التأكيد على أنَّ جميع البشر مولودون أحراراً ومتساوين في ما يتعلق بالكرامة والحقوق -وهذا، راهناً، لحسن الحظ مبدأ متضمَّن في كل إعلانات حقوق الإنسان الأساسية- كان يُعتبَر فكرةً غريبةً وسخيفةً في تلك الأيام، كما هو موثق، من دون أي شك في نظام ذلك الزمان القانوني؛

 

3. إن الفرد المجرد (بمعنى آخر، الفرد بغضِّ النظر عن الطبقة والجنس والعرق والعمر، والذكاء، إلخ...، وهو غير موجود في الحياة الحقيقية)، باعتباره مفهوماً قانونياً لم يكن معروفا،ً ولم يتطوَّر إلا بعد النقاشات والنزاعات السياسية والدستورية العديدة المديدة إلى خلاصة النظام القانوني الحديث؛ [16]

 

4. إنَّ المساواة الجنسية أمام القانون لم تكن موجودة قط حتى كفكرة مجرَّدة، ناهيك عن الوضع الحقيقي؛

 

5. إنَّ الحرية الدينية، بوصفها حقاً أساسياً، كانت مجهولة لوقت طويل، وتحوَّلت إلى قضية خلافيَّة، لتُرفَض، لاحقاً، بعنفٍ حتى من قبل المذاهب الإصلاحية. ولم يحدث قبل الستينيات أن قبلت الكنيسة الكاثوليكية (في المجمع الفاتيكاني الثاني) هذا الحق الأساسي؛

 

6. إنَّ التسامح رُفض في أوروبا القديمة، لأنه اعتبر قيمة قد تُحوِّل العالم ضد المسيحية (اعتبار التسامح جذراً للعالم المضاد للمسيحية، "أمِّ الفظائع")؛ [17]

 

7. إنَّ تفكُّك المسيحية إلى مذاهب أدَّى إلى تعصُّب مسلَّح (ما عدا بضعة انتوَوْا بناء الجسور، وهم المسالمون Irenics) اعتبر روتينياً وغير إشكالي، ليس فقط من جانب الإصلاح المضاد، بل أيضاً بين المذاهب الإصلاحية، التي أسست في عدة مناسبات كيانات سياسية ثيوقراطيةً، واثقة من نفسها، وعديمة التسامح بشكل واضح، حيث اعتنقت الزوينغلية والكالفينيية، فكانت أشبه بنظام الطالبان؛ وجزئياً أيضاً في المستعمرات الإنكليزية بأميركا الشمالية، التي أسَّسها أناس فرُّوا أصلاً من أوروبا القديمة هرباً من الاضطهاد الديني نتيجة للتعصب المسلح؛

 

8. إنَّ الأقليات -الهراطقة والوثنيين واليهود (من دون الحاجة إلى ذكر المسلمين) والنساء المعتبرات ساحرات– لم تكن تملك الحق في التساهل أو الرحمة، وإنَّ الرقابة والأبوية الروحيَّة كانتا جزءاً من الروتين اليومي، كما لم تكن حرية العلم - كما نعرفها اليوم - موجودة آنذاك؛

 

9. إنَّه وطبقاً للفهم المشترك في تلك الأيام، لم يكن الناس ليمتلكوا حقوقاً في الواقع، بل كانوا مسؤولين عن عددٍ من الواجبات ضمن المجموعة التي كانوا ينتمون إليها. وقد فُرضت هذه الواجبات من قبل "قوة شرطة" (مسؤولة عن الجوانب المهنية والمعنوية والبيتية والاقتصادية)، التي حولت لاحقاً إلى "علم شرطة"، بما يمكن اعتباره سلف علم السياسة الحديث؛

 

10. إنَّ الأخلاق والمزايا والواجبات والعادات الراسخة في المجموعات كانت آنذاك ذات مهمة لتوجيه الناس في طريق محددة سلفاً، بشكل كبير ومعرفة اجتماعيا كمبادئ أخلاقية موازية، لأنَّ مجموعة المبادئ الأخلاقية المستندة إلى الفرد المستقل ذاتياً كانت مجهولة وقتئذٍ، أو بالأحرى، كانت تُرفض وتُقاتل حيثما طُلِبَت ومتى طُلِبَت؛

 

11. إنَّ فكرة الفرد الحديثة - بوصفها  موضوعاً مستقلاً بذاته، مقابل المبدأ الأوروبي القديم القائم على مفهوم الإنسان الذي يجب أن يُدمَج في نظام راعٍ عام، باعتباره كائناً أخلاقياً أساساً- جسَّدت تغييراً مؤثِّراً في أوروبا، تغييراً جسَّد ثورة ثقافية أثبتت حتميتها في عمليات الصحوة في ما يتعلَّق بالتحديث والتغيير الاجتماعي.

 

وفيما كانت أوروبا القديمة متآلفة مع فكرة اجتماعية ملزمة ومهيبة وآمنة، كما عُبِّر عنها في أنواع الإقطاعية المختلفة والنظام المالي- المركانتالي البائد، كان مجرد صعود مجتمع السوق الخاص بالطبقة المتوسطة والتأسيس المتقدم تدريجياً للقاعدة البروليتارية هو ما أجبر الفرد على إعالة نفسه. [18] كان هذا التغيير والانتقال نتيجة نمو برجوازية معادية للإقطاعية، ولاحقاً، حركات بروليتارية معادية للبرجوازية أطلقت نبضات تحريرية. لكن ذينك التطورين أثارا مقاومة رجعية أيضاً، بالإضافة إلى الحركات الثقافية والسياسية المؤدِّية إلى ثورة ثيوقراطية مضادة. ونلتقي مفاهيمهما القديمة، التي بهتت في هذه الأثناء في أوروبا، في العديد من المجتمعات النامية: كالنقد الدفاعي ضد الفردية والتحررية والعلمانية، وانحطاط التقليد والثقافة (كما يشعر به هذا النقد) وضد التعدُّدية عموماً والتسامح، باعتباره مصدر الاضطراب الاجتماعي والتضليل والفساد الأخلاقيين. [19]

 

إنَّ هذه المفاهيم ظاهرة في قلب تاريخ الفكر والثقافة في ألمانيا، ولاسيَّما في المجموعات والحركات السياسية المرتبطة بمرحلة متقدمة من القرن العشرين. وفي ضوء النقاشات حول "القيم الألمانية"، التي جرى لحسن الحظ التغلب عليها في هذه الأثناء، المفترض أن تكون عدائية لقيم التنوير الغربي والعملية الأنكلوسكسونية ("الثقافة ضد الحضارة")، ولدرجة أكبر في ضوء التماس "دولة السلطة الألمانية" الثقافي السياسي، مقارنة بالتعددية الهدامة التي يتَّسم بها النظام السياسي الغربي (نداء حيوي جداً ومتابع بوضوح حتى العشرينيات)، يجب ألا يكون صعباً جداً بالنسبة إلى الألمان إدراك سياق النقاشات العامة الحالية حول القيم التي تظهر في البلدان غير الأوروبية، وفهم الصلات السياسية العائدة لهذه النقاشات. فهي تعكس اليوم، مثلما فعلت في التاريخ الأوروبي الأخير، مشاكل تَعْتَوِرُ عملية التطوير، وبشكل خاص، التطوير الموجه بشكل سيئ.
  [20] 
أمَّا النقاشات القديمة والناشطة أخيراً حول "القيم السلافية" في روسيا، والنزاع الثقافي بين "الغربيين" ومحبي السلافيين، فيجب أن تُُقرأ بوصفها انعكاساً للمشكلات الاجتماعية المزمنة غير المحلولة. ومثل ردود الأفعال الدفاعية هذه تُقام نموذجياً في إسقاطات (مماثلة جوهرياً، إذا كانت ملونة محلياً) معادية للغرب، تُسمى "استغراباً"، وهي الصورة العكسية لما يسمى "استشراقاً"، يشمل إسقاطات الغرب المعمِّمة المتعلقة بالمجتمعات غير الأوروبية. [21]

 

هكذا يجب أن يبقي الأوروبيون (والغربيون) تاريخهم الخاص ماثلاً في الذهن، عندما يشاركون في الحوار بين الثقافات. يجب أن يشعروا بحقيقة أنَّ العديد من النقاشات الثقافية المدفوعة سياسياً الذي يحدث حول العالم اليوم لديها سابقة في تاريخ أوروبا الثقافي. فهذه الصراعات الثقافية ليست غريبة ولا جديدة، إذا أُخذ تاريخنا الأوروبي الخاص في الحسبان. ويمكن لمقاربة الحوار من هذه الزاوية أن تؤدِّي إلى "معجزات" في الخطاب، حين تُحمَى من الجوهرية اللاواعية، التي تعتبر مرحلة متأخرة من الثقافة الأوروبية (الغربية)، نموذجاً مثالياً ومجرداً لقيم الحداثة ومفاهيمها ولمبادئ تنظيم المجال العام. ويحُولُ مثل هذا الموقف دون أيِّ مقاربة جوهرية للثقافات الأخرى التي تعبر انتقالات مماثلة، ويعمل ضد أيِّ فهم "هرديري" [نسبة إلى الفيلسوف الألماني "يوهان غتفريد فون هردير"، 1744–1803، يُعتبر أول من وضع مفهوم القومية – المترجم] للآخرين ككيانات شبه أحادية. ولأنَّ كل نقاش ثقافي ينطلق من التصوُّرات الضرورية للذات والآخر سيؤدِّي بالضرورة إلى طريقٍ مسدودة، ولاسيَّما إذا قُيِّد نقاشٌ كهذا بشكل رئيسي بنغمات سياسية. أما أي حوار ثقافي مثمر آخر فيتطلب معرفةً بالصراعات الخاصة بالأمثلة، المميزة لتاريخ كل حقل ثقافي، وبشكل خاص كل الأديان العالمية. [22]

 

وبخصوص الشركاء غير الأوروبيين في حوار كهذا، يبقى أساسياً ألا يضطلعوا بدور ممثلي الثقافة والدين، وأن يقاوموا محاولات تقديمهم على هذا النحو، لأنَّ النزاعات الثقافية الحادة والعميقة الحالية ضمن الثقافات كلها تشير ضمناً، وأيضاً، إلى أنَّ "مثل هؤلاء الممثلين التمثيليين" غير موجودين أصلاً. ومن الملاحَظ أنَّ الناس الذين يمثلون اتجاهات مختلفة، هم، بدرجات وأعداد مختلفة، حاضرون ويصارعون بعضهم ضد بعضفي كل الثقافات التي يظهر فيها اللاتجانس الهيكلي: إنهم التقليديون والمتحررون، والثيوقراطيون والعلمانيون، والمحافظون وما بعد-الحداثويون، والمتنورون واللامتنورون، والتقدميون والرجعيون، والعالميون والمجتمعيون، وغير المؤمنين والأصوليون، ومؤيدوالوضع الراهن ومعارضوه. ولا توجد اختلافاتهم عادة في المضامين الثقافية المعينة، غير القابلة للتفاوض وغير القابلة للتبادل. وبالأحرى، فإنَّ هذه المواقع الجدالية والعدائية تعكس في أغلب الأحيان مشكلات اقتصادية اجتماعية وسياسية اجتماعية متماثلة، مشكلات هي نتاج لعمليات التحديث وعابرة للعوالم الثقافية، وتتطلب طرق عمل متماثلة أيضاً لمعالجتها وإتقانها. وهذه العملية، التي تحدث اليوم خارج أوروبا، تتجلَّى في طرق مشابهة جداً لتلك التي حدثت في أوروبا قبل الأوان.

 

وهكذا، تتقرر مواقف مثل هذه أولياً بسمات السياق المعينة والتاريخية، وهي ليست على الإطلاق معينة ثقافياً بشكل خاص، الأمر الذي يوضح كيف توجد مجموعات النزاع المقارنة، بما في ذلك وجهات النظر الثقافية، ما بعد فترات تاريخية وثقافات معينة. ولذا، فإنِّ الحجج التي تستخدمها الإسلاموية المسلحة والثيوقراطية تشبه تلك التي قدَّمتها بعد عام 1789 الثورة الثيوقراطية المضادة في رد فعلها حيال الحالة العلمانية على الطريقة الفرنسية [23]، الذي كان مثيراً للانتباه، أي دون أن يُستقبل الأخير من قِبَل السابق. والنصية هي مبدأ مشترك مع الأرثوذكسية من كل الأنواع في كل العالم. علاوةً على ذلك، وعلة نحو ما حدث في أوروبا قديماً، تؤدِّي محاولات تفكيك "النصوص المقدسة" وإعادة تركيبها في مناخ النزاعات الثقافية بالغة التسييس إلى سحب رخص التعليم، ولاسيما في البلدان الإسلامية. وفي أسوأ الأحوال، جعلت الهجمات المادية المنفى الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الحياة والجسد. أما الحجج المقدمة ضد حق النساء في التصويت أو التقدم للوظيفة فتبقى ضعيفة الخيال غامضة، كما كانت في الماضي.  [24] إنَّ هذه، وغيرها من الأمثلة، تثبت بصورة كافية جداً أنَّ التاريخ يكرِّر نفسه بسهولة، أكثر ممَّا ندرك في هذا اليوم والعصر الحيويين؛ ذلك أنَّ التاريخ يُنبذ وسرعان ما يُنسى.

 

ولذا، فإنَّ من يحاول بدء حوار بين الثقافات في الوقت الراهن يجب أن يأخذ في حسبانه العوالم الثقافية الحالية الحقيقية، ويجب ألا ينطلق من خرافة الثقافات المتجانسة. علاوة على ذلك، ينبغي أن تؤخذ في الحسبان أيضاً حقيقة أنَّ مجموعات نزاع متماثلة تنبعث ثانية في كافة أنحاء التاريخ، وتُجعل جزءاً مكملاً من الحوار نفسه. وهذا يتطلَّب، أولاً وقبل كل شيء، إزالة بعض "الكليشيهات" والقيود المفروضة على الفكرذاتياً، وهذا يستلزم، قبل كل شيء، توسيع الأفق الثقافي بخصوص التاريخ، والقيام بتحليل مقارَنٍ موجَّهٍ إلى العالم. [25] ويساعد هذا على تفادي الروتين غير المجدي وذي النتيجة العكسية بشكل كبير للعديد من الحوارات ذات النية الحسنة بين الثقافات، التي لا تشكِّل في العادة سوى مجرَّد حوارات سامية مجردة. ومن خلال إعادة تشكيلها في هذا الشكل، يمكن أن تتحوَّل الحوارات بين الثقافات إلى مساهمات مهمة نحو عالمية ثقافية صاعدة مميزة بعلاقات بينية متعدِّدة الطبقات.

 

أمَّا المسألة الأساسية التي تسكن هذه العالمية، فهي مشكلة القديم مقابل الجديد، ويمكن تلخيصها كما يلي: يشكل التعدد، وتعددية المجتمعات الفردية والعالم ككل، التحدِّي الرئيسي. والتسامح والتعايش -وكلاهما نتيجة تجارب التعلم الجماعية الخاضعة دائماً للمعاودة- هما الإجابة البناءة للعمل تحو الأمام. وإذا ما وُجِّه الحوار بين الثقافات على نحوٍ عاقل، فقد يقدم مساعدة عظيمة في البحث عن العديد من الأجوبة المعيَّن سياقها، بالإضافة إلى الحلول الأعم التي تظهر في العملية. [26]

 

في الخلاصة، ثمَّة عدد من المؤشرات الواضحة الدالَّة على حوار بين الثقافات، قد يساهم في خلق السياسات المفضية إلى السلام:

 

  • من الضروري وضع التعبير ذي المغزى السياسي عن الثقافة في سياقه، الأمر الذي يدعو إلى تحليل التشكيل الاجتماعي الحضاري المعين الذي يظهر فيه، بما في ذلك علاقاته المتبادلة هناك مع البيئة العالمية.

 

  • علاوةً على ذلك، لا غنى عن الأخذ في الحسبان حالات الغموض وحالات عدم التجانس والنزاعات الداخلية الظاهرة، حتى في معظم الثقافات التقليدية. فالعهد القديم لا يلتمس أن "يضربوا سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل" (سِفْر أشعيا 2، 4)، بل إنه يلتمس أيضاً النظير: "اطبعوا سكاتكم سيوفاً ومناجلكم رماحاً" (يوئيل 3، 10)! وأمَّا الفلسفة الصينية التقليدية، التي ركزت بصورة جوهرية على النظرات العملية جداً لصيانة النظام العام، فلم تتميَّز بالخلاف فقط، بل حتى بالمواقع العدائية أيضاً. إنَّ حقائق كهذه – وهي جديرة بالملاحظة أيضاً في مكان آخر- تبقى عادة قليلة التعرُّض في إطار الحوار بين الثقافات. ولذا، فإنَّ أيَّ صورة ثقافية واقعية تحتاج إلى أن تبدأ بتحليل الأسس وتجلِّيات الثقافة المعنيَّة التقليدية، وتشارك مثل هذا المنهج كذلك في تجنب التصوّر الجوهري للثقافة.[27]

 

  • سمة أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان، وهي أنَّ الثقافة، وبشكل محدَّد الدين، تصبح ذات علاقة سياسية فقط حين تُدخل مطالبها في عمليات اتخاذ القرارات السياسية، وبمعنى آخر، حين تُدمج مع عمليات النظام السياسي الجارية، الأمر الذي يكسبها أهميةً سياسيةً. [28] وسيواجه الحوار بين الثقافات مثل هذه الأشكال المسيسة من الثقافة والدين في معظم الأحيان، وأقل بكثير التعبيرات "الأصلية" المزعومة، التي تُرجمت كثيراً على أي حال بطرق جدالية.

 

  • لذلك، سيجد أي حوار منتج بين الثقافات نفسه يناور دائماً ضمن تلك الخلافات والنزاعات التي تشنها الدوائر والتيارات الثقافية المختلفة، كل ضد الآخر، بالإضافة إلى داخل كل منها. وهكذا ستصبح التغيرات في الفهم الذاتي لبعض الثقافات والنزاعات على الأمثلة موضوع حوار بالطريقة نفسها.

 

  • ولذلك أيضاً، فإنَّ أيَّ حوار مجدي بين الثقافات لا يكون إلا من خلال منهج يجعل من التحليل المقارن للحاضر والتاريخ أدوات أساسية له. وأمَّا إهمال التوجيه التاريخي والمقارن، فيهدد بتحويل الحوارات إلى روتين من التبادلات، التي قد تكون حسنة المقصد، إلا أنَّها تبقى مجردة من النتائج، أو تؤدي إلى طريقٍ مسدودة، إلى "حوار طرشان" ليس لديهم من يلومونه غير أنفسهم.

 

 

الهوامش

 

[1]

  Cf. Dieter Senghaas: "Die Konstitution der Welt – eine Analyse in friedenspolitischer Absicht". In: Leviathan 31 (2003), pages 117-152

 

[2]

Dieter Senghaas: Zum irdischen Frieden, Frankfurt a.M. 2004, Chapter 6

 

[3]

Ibid., Chapter 9

 

[4]  ثمَّة تحليل مفصل يتعلق باللاتجانس الهيكلي في:

Dieter Senghaas: Weltwirtschaftsordnung und Entwicklungspolitik. Plädoyer für Dissoziation, Frankfurt a.M. 1977

 

[5] مساهمات رئيسية من المؤلفين المذكورين بالإضافة إلى آخرين منشورة في:

Dieter Senghaas (Ed.): Imperialismus und strukturelle Gewalt. Analysen über abhängige Reproduktion, Frankfurt

a.M. 1972; idem (Ed.): Peripherer Kapitalismus. Analysen über Abhängigkeit und Unterentwicklung, Frankfurt

 a.M. 1974; idem (Ed.): Kapitalistische Weltökonomie. Kontroversen über ihren Ursprung und ihre Entwicklungsdynamik, Frankfurt a.M. 1979

 

[6] للعولمة قبل التسمية وتجلياتها الراهنة محللة بطريقة مستنيرة من قبل:

Osvaldo Sunkel and Michael Mortimore: Transnational Integration and National Disintegration Revisited. In: Björn Hettne, András Inotai and Osvaldo Sunkel (Eds.): Comparing Regionalisms. Implications for Global Development, London 2001, pages 54-92

 

[7] راجع، من ضمن ثروة كبيرة من الأدبيات حول الموضوع:

Bernd Wagner (Ed.): Kulturelle Globalisierung. Zwischen Weltkultur und kultureller Fragmentierung, Essen 2001

 

[8] تحليل مبكر متوفر في:

Hans Bosse: Sozio-kulturelle Faktoren von Unterentwicklung. Überwindung von Unterentwicklung als Lernprozess. In: DGFK-Informationen (Deutsche Gesellschaft für Friedens- und Konfliktforschung), Special edition II, Bonn 1974, pages 33-44

 

 [9]

 Mark Juergensmeyer: Terror in the Mind of God. The Global Rise of Religious Violence, Berkeley 2000; Martin Riesebrodt: Die Rückkehr der Religionen. Fundamentalismus und der Kampf der Kulturen, München 2000; Henner Fürtig (Ed.): Islamische Welt und Globalisierung. Aneignung – Abgrenzung – Gegenentwürfe, Würzburg 2001; Thomas Scheffler (Ed.): Religion between Violence and Reconciliation, Beirut 2002; Harald Barrios, and Andreas Boeckh (Eds.): Resistance to Globalization. A Comparison of Three World Cultures, New York 2003 

 

[10]

  Klaus-Georg Riegel: ‚Asiatische Werte‘ – Die Asiatisierungsdebatte im Kontext der Globalisierung. In: Zeitschrift für Politik 48 (2001), pages 397-425; Manfred Mols: Bemerkungen zur Globalisierung in Ost- und Südostasien. Ibid., pages 427-447. Also Peter Birle, Jörg Faust, Günther Maihold and Jürgen Rüland: Globalisierung und Regionalismus. Bewährungsproben für Staat und Demokratie in Asien und Lateinamerika, Opladen 2002 

 

[11]

  Gudrun Krämer: Gottes Staat als Republik. Reflexionen zeitgenössischer Muslime zu Islam, Menschenrechten und Demokratie, Baden-Baden 1999 

 

[12]  راجع الفصل الثاني من الكتاب المذكور في الهامش 2.

 

[13]

Dieter Senghaas: Zivilisierung wider Willen. Der Konflikt der Kulturen mit sich selbst, Frankfurt a.M. 1998

 

 [14] حول أهمية مثل هذه الصورة الذاتية الواقعية، ليس فقط للحوار بين الثقافات، لكن أيضاً لمزيد من لتطوير لأوروبا، راجع:

Emanuel Richter: Das republikanische Europa. Aspekte einer nachholenden Zivilisierung, Opladen 1999

 

[15] في ما يتعلق بقائمة الحقائق التالية، راجع:

Ernst-Wolfgang Böckenförde: Vom Wandel des Menschenbildes im Recht (Gerda Henkel-Vorlesung), Münster 2001

 

[16] من المفيد بشكل خاص:

 

[17]

 Hans Maier: Wie universal sind die Menschenrechte?, Freiburg 1997

Henry Kamen: Intoleranz und Toleranz zwischen Reformation und Aufklärung, München 1967

 

[18]  (راجع الهامش 15) -  Ernst - Wolfgang Böckenförde, op. cit.

 

[19] يمكن العثور على مساهمة ممتازة في:

Christoph Marx: Fundamentalismus und Nationalstaat. In: Geschichte und Gesellschaft 27 (2001) pages 87-117; also Wolfgang Reinhard (Ed.): Die fundamentalistische Revolution, Freiburg 1995; Martin Riesebrodt: Die fundamentalistische Erneuerung der Religionen. In: WeltTrends, Number 30, Spring 2001, pages 9-27

 

[20] في ما يتعلق بالنقاش الألماني، راجع:

Paul Nolte: Die Ordnung der deutschen Gesellschaft. Selbstentwurf und Selbstbeschreibung im 20. Jahrhundert, München 2000; Stefan Breuer: Ordnungen der Ungleichheit. Die deutsche Rechte im Widerstreit ihrer Ideen 1871-1945, Darmstadt 2001

 من الغني بالمعلومات المفيدة، ولاسيما النقاش حول "القيم ألمانية"، وبمعنى آخر، التوجيه إلى "الثقافة" مقابل "الحضارة"، الخلاف بين الأخوين توماس وهينريتش مان:

Thomas Mann: Betrachtungen eines Unpolitischen (1918), Frankfurt a.M. 2001; Thomas Mann/ Heinrich Mann: Briefwechsel 1900-1949, Frankfurt a.M. 1995

 

[21]

Ian Buruma und Avishai Margalit: „Okzidentalismus“ oder Der Hass auf den Westen. In: Merkur 56 (2002) pages 277-288  

ويمكن العثور على فحص أصولي للاستشراق، هنا بالنسبة إلى آسيا الشرقية، في:

Eun-Jeung Lee: „Anti-Europa“. Die Geschichte der Rezeption des Konfuzianismus und der konfuzia­nischen Gesellschaft seit der Aufklärung, Münster 2003. See also Heiner Bielefeldt: Philosophie der Menschenrechte, Darmstadt 1998

 

[22] تحويل الأمثلة في تطوير الأديان العالمية مقدم في أسلوب النموذجي من قبل:

Hans Küng: Das Christentum. Wesen und Geschichte, München 1994; idem: Das Judentum. Die religiöse Situation der Zeit, München 1991; idem: Der Islam, München 2004

 

[23]  أنظر وصف فرنسا ما بعد الثورة في:

Johann Baptist Müller: Religion und Politik, Berlin 1997, Chapter IV as well as Sadik J. Al-Azm: Unbehagen in der Moderne. Aufklärung im Islam, Frankfurt a.M. 1993

 

[24]  لتبيُّن خلفيةٍ لهذه الإشكالية، راجع:

Ronald Inglehart and Pippa Norris: The True Clash of Civilizations. In: Foreign Policy, March/April 2003, pages 63-70

 

 [25]

 Martin E. Marty and R. Scott Appleby: The Glory and the Power: the Fundamentalist Challenge to the Modern World, Boston 1992 

 

[26]   وجهة نظر فلسفية من قبل:

Ram Adhar Mall: Philosophie im Vergleich der Kulturen, Darmstadt 1995; Heinz Kimmerle: Interkulturelle Philosophie zur Einführung, Hamburg 2002; Franz Martin Wimmer: Interkulturelle Philosophie. Eine Einführung, Wien 2004

من منظور علم السياسة راجع:

Harald Müller: Das Zusammenleben der Kulturen. Ein Gegenentwurf zu Huntington, Frankfurt a.M. 1998

وكذلك الكتاب المقتبس في الهامش رقم 13.

 

 [27]راجع التحليل المفصل والمقارن في كتابي المقتبس في الهامش 13.

 

[28] الشروط التي تعطي موضوعاً سياسياً أو قضية جدالية علاقة بالسياسة مشروحة في:

Ernst-Otto Czempiel: Internationale Politik, Paderborn 1981