|
يتطلَّب التزام أوروبا إشراك العرب والولايات المتحدة والأطراف المهتمَّة الأخرى، في الحضِّ على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في كافة أنحاء العالم العربي، إجماعاً واضحاً على طريقة تحقيقها. واستناداً إلى الدروس المستقاة من الجهود الأوروبية والأميركية للترويج للإصلاح العربي في السنتين الماضيتين، نعرض في ما يلي أمام الرأي الأميركي والعربي والأوروبي وصفات عامة تخضع لتوجيه السياسات.
قبول شراكة حقيقية مع البلدان الشريكة
إنَّ توقُّف النقاش حول السياسة العابرة للأطلسي، حسنة النيّة، المتعلقة بمتطلَّبات الإصلاح في الشرق الأوسط الأوسع ومنطقة شمال أفريقيا، يعود بشكلٍ كبيرٍ إلى أنَّ نشطاء المجتمع المدني والنخب السياسية على حدٍّ سواء يقاومون دائماً الممثلين الخار
جيين الذين يقولون لهم ما ينبغي عليهم عمله في عالم سيادتهم الخاص. ويجب أن تتجنَّب أوروبا إطلاق عملية إصلاح وأن تصدر بعد ذلك إعلانات رفيعة حول كيفية امتلاك العرب تلك العملية، الأمر الذي يعطي، حتماً، الانطباع بوجود مهمة تحضير جديدة أخرى، أوروبية أو عابرة للأطلسي.
دعم الممثلين المجتمعيين (من كلِّ التوجهات) الذين يكافحون في سبيل التغيير التعدّدي السليم
يجب ألا تدعم أوروبا فقط ممثلي المجتمع المدني، أولئك الذين يعكسون تجربتها الديموقراطية أو جدول أعمالها سياستها الخارجية أو معايير مساعداتها المالية. ويجب أن تقاوم أي ضغط أميركي أو إسرائيلي أو من قبل الأنظمة العربية للامتناع عن إشراك ممثلي المجتمع المدني العرب الموثوقين ذوي التوجُّهات الإسلامية، بالإضافة إلى العناصر العروبية والمناهضة للاستعمار واليسارية والتقدمية والقبلية.
التركيز على التراكيب والهياكل لا على الأفراد
يستغرق الإصلاح وقتاً لأنه يتطلّب تغييراً في الهياكل الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية الحصينة، بما في ذلك توازنات القوى المحلية، كما يتطلَّب تطويراً مؤسساتياً وقواعد وحقوقاً جديدة. ويجب ألا تركِّز أوروبا والغرب على الحكَّام الفرديين المتغيِّرين، بل ينبغي عليهما بالأحرى أن يساعدا الجماعات المحلية على تبنِّي التراكيب والحركات الموثوقة، التي تعزز بنفسها الإصلاح والتغيير. ويجب أن يتضمَّن التحويل الديموقراطي المطلوب تغييراً سلمياً ومنتظماً في السلطة التنفيذية التي تسيطر على الأسلحة والمال، بما في ذلك إنشاء آليات المساءلة للإشراف على السلطتين التنفيذية والتشريعية
قبول التدرُّجية ولكن مع الاستمرار في التركيز على الأهداف المتَّفق عليها
يحدث التغيير الدائم الموثوق ببطء وتدرُّج، مستجيباً لاستراتيجيات الإصلاحات الديموقراطية المبتكرة والموجَّهة والمتميزة والمتدرّجة في آنٍ معاً من قبل العرب وشركائهم الأجانب. ويجب أن يحدث التقدّم وفق سرعة واقعية، متجنِّباً فتح المجتمعات المتعجِّل، الذي يخيف العديد من الناس بشبح الفوضى شبه العراقية أو عمليات الاستيلاء الإسلامية المحتملة. كما يجب أيضاً أن تقرّ جهود الإصلاح بحقيقة أنَّ الرأي العام العربي، في حدِّ ذاته، لا يبدي مطالبات صريحة واسعة الانتشار بالأنظمة الديموقراطية، بل حري به أن يطلب من بعض الأنظمة الاستجابة للحاجات الإنسانية الأساسية (الوظائف، المدارس، الرعاية الصحية)، والتعامل، بالأهمية نفسها، مع المواطنين العرب على نحو أكرم وأعدل.
العمل معاً لإنجاز أهداف الإصلاح المتميزة الواقعية في مختلف القطاعات
إنّ مسعى الحرية والأسواق الحرة والانتخابات الديموقراطية الواسع لهو مسعى نبيل، ولكنَّه تبسيطي أكثر من اللازمً. فجداول أعمال الإصلاح يجب أن تعالج تشكيلة الأهداف الشرعية والقيود الحقيقية في حقول كالتعليم والاقتصاد والأمن والدين والحكم وحكم القانون والانتخابات والمساءلة ومنزلة النساء وحقوق الأقليات والمجتمع المدني والأنظمة القضائية وغيرها. أمَّا التقدُّم فسيتفاوت، عاكساً الشروط والقيم والإمكانات المحليّة. وسيخاف أكثر العرب ويقاومون جدول أعمال إصلاحياً عدوانياً واسعاً وموحَّداً، يرون فيه دفعاً لتغيير ثقافتهم وقيمهم، أو تغيير أنظمتهم وأنظمة حكمهم. غير أنَّ جدول أعمال إصلاحياً قطاعياً وأكثر تدرجاً يمكن أن يشرك النخب المحلية ويخلق مصالح عامة. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يترك الأوروبيون أيَّ شكٍّ حول التطبيق العالمي لمفاهيم حقوق الإنسان الأساسية.
الإقرار بهشاشة أكثر الدول العربية في غياب الدولة الأمنية المركزية
إنَّ تغيير المجتمعات التي لم تعرف أبداً مفاهيم حقوق المواطنة، وفتحها على نحوٍ سريع، قد يؤدّيان إلى الفوضى، كما تشير إليه أوضاع العراق هذه الأيام. فأيُّ جدول أعمال إصلاح عربي طويل المدى يجب أن يتضمن قدرة مجموعات المواطنين العرب على الاشتراك في عملية رسمية من تقرير المصير الوطني، فيقرّروا بأنفسهم، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، حدودهم الخاصة ونظمهم الإيديولوجية والاقتصادية وأدوار كلٍّ من قطاع الأمن والعلاقات مع الجيران وحقوق المواطن والدولة ومسؤوليات كلٍّ منهما.
الاعتراف بتأثير الذاكرة التاريخية العربية غير الملموس ولكن الحقيقي
يعترض العديد من العرب بشكلٍ دوري على تراث التدخُّل العسكري والسياسي الغربي في مجتمعاتهم، الذي يعود، في بعض الحالات، إلى قرون ماضية؛ من الغزو العسكري النابليوني وغيره من الاحتلالات الاستعمارية، إلى الدعم الغربي الأخير والمستمر للاستبداديين العرب ودولهم الأمنية. هذا، وتثير الحكومات الغربية التي تقارب الشرق الأوسط بالجيوش وجداول الأعمال الإصلاحية تشكيكاً قوياً، وهذا أمر مفهوم، فضلاً عن الأشكال السياسية وغيرها من المقاومة.
عدم نسيان أسس الإصلاح الاقتصادية-الاجتماعية الحاسمة
تميل الممارسات الديموقراطية التعددية إلى الازدهار أكثر ضمن سياقات التقدم الاقتصادي ومستويات التعليم المتصاعدة وزيادة التعدُّد المجتمعي وظهور الطبقات المتوسطة القوية. لذا، يجب أن تشمل الأدوات الضرورية المروِّجة للإصلاح العربي دعم المشروعات الصغيرة والمتوسِّطة، والاستثمار الأوروبي المباشر في البلدان العربية الشريكة، ودعم التدريب والجامعات، وتوفير الفرص لدراسة الطلاب العرب وتدريبهم في أوروبا.
عدم السماح للأهداف الجغرافية السياسية بتهميش المخاوف على صعيد حقوق الإنسان
تتعرَّض مصداقية أي أدوارٍ أوروبية أو أميركية، حاسمة وناجحة في الترويج للإصلاح العربي، للخطر ما إن تحتلُّ الأهداف الجغرافية السياسية أولويتها على جداول أعمال الإصلاح واحترام حقوق الإنسان. وهناك مثال راهن يتجسَّد في معانقة الغرب لليبيا، مكافأةً لها على تخلِّيها عن برامجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل، من دون المطالبة بأيِّ تغييرات في حكومتها الاستبدادية أو ممارساتها السيّئة في مجال حقوق الإنسان.
عدم إهمال أهمية النزاعات الإقليمية العربية-الإسرائيلية وغيرها
لقد ساعد النزاع العربي-الإسرائيلي على تحصين حكامٍ استبداديين في بعض الدول العربية لأكثر من نصف قرن، كما يساند دعواتٍ دينيةً وقوميةً متطرِّفةً في المنطقة. إنَّ السلام الشامل يجعل إجراء إصلاحات عربية سياسية وغيرها أمراً أسهل وأسرع بكثير. فمصداقية المبادرات السياسية الغربية العامّة في المنطقة ترتبط بصورة وثيقة في العقول العربية بجدية الجهود الأميركية والأوروبية لإيجاد حلٍّ منصف للنزاع العربي-الإسرائيلي وفي العراق، ولنزاعات رئيسية أخرى تشارك فيها دول غربية بشدة.
صدق دوافع مطالب الإصلاح
إنَّ الدعوة إلى الإصلاح السياسي في العالم العربي، ولاسيَّما عندما تُربط بشروط المساعدة، تشكِّل فعلَ تدخُّلٍ، نصفع بأنه شرعي إذا قام جدول أعمال إصلاحي بدمج الأهداف والمصالح والمخاوف الغربية الشرعية بتلك العربية المهمة على حدٍّ سواء، منجزاً بذلك جدولَ أعمالٍ مشتركاً يُعرَّف ويُطبَّق بصورة مشتركة. ولن تنجح جهود الإصلاح ذات القيادة الخارجية إذا هدفت بشكل رئيسي إلى ضمان أمن الولايات المتّحدة وأوروبا، بدلاً من استقرار العرب وخيرهم.
عدم جعل السياسة الأوروبية الشرق أوسطية أو قضية الإصلاح العربي موضوع علاج نفسي عابر للأطلسي
إنَّ نقاش السياسة العابرة للأطلسي حول الشرق الأوسط، وأي جدول أعمال عام للسياسة في المنطقة، يجب أن تقرِّره، في نهاية المطاف، الأمور المطلوبة من الشرق الأوسط والعالم العربي ولهما، وليس من قبل ما قد يساعد على ردم الهوة بين إدارة أميركية مرهقة جداً بالشرق الأوسط وبين زعماء أوروبيين أفراد. |