نصوص
 

 المواطنية والهوية: العيش في مجاميع الشتات في أوروبا ما بعد الحرب

 

 بقلم ياسمين نوهوغلو سويسال

 

نسخة للطباعة (pdf)

 

 

 خلاصة

للشتات، باعتباره مفهوماً موقراً، وضع قوي في خطاباتنا السياسية والفكرية. إن مقالتي تشكك في استخدام الشتات كمقولة تحليلية في شرح تجربة الهجرة المعاصرة. فمن خلال تركيزها بشكل خاص على المحور الإثني للأوطان والمهجر، تتجاهل النظريات التي تتناول الشتات تجاوزات الجانب القومي ولا ترى الديناميكيات والطوبوغرافيا الجديدتين للعضوية. وأقترح تحقيق منظور أكثر إنتاجية عن طريق تركيز قدرتنا التحليلية على المواقع المتكاثرة لتحقيق المواطنية وتطبيقها. وأقوم بذلك عن طريق التوسع في تناقضين مُضمَّنين في التشكيلات المعاصرة للمواطنة، وهما: أ) الفك المتزايد للارتباط بين الحقوق والهويات، المكوّنين الرئيسيين للمواطنة؛ ب) الاتجاه إلى دعاوى تخصيصية في المجالات العامة وتشريعها عبر خطابات تعميمية من الشخصانية. ويكفل هذان التناقضان أن تكون لدينا أشكال جديدة من التقدم بالدعاوى، وتعبئة الهوية، وممارسة المواطنية، تتجاوز السيادة القاصرة للترتيبات والتعاملات والممتلكات الشتاتية المشكّلة إثنياً.

 

كمعظم الفلسطينيين الذين خبروا الحرمان والتهجير من بيوتهم وأرضهم، يتأمل إدوارد سعيد، الناقد الأدبي المقدسي الولادة والبريطاني التربية والأميركي الجنسية، في المنفى باعتباره "ابتكاراً ذاتياً أبدياً وقلقاً مستمراً". وفي وصفه لحياته كمهاجر، يقتبس من أدورنو:

إن الحياة السابقة للمهاجرين... ملغاة... [إنها] حياة لا يمكن تحقيقها مباشرة؛ إن أي شيء يحيا كمجرد فكرة وتذكار. ولهذا الأمر اختُرِعت قاعدة خاصة. إنها تُسمَّى "الخلفية" وتظهر في الاستبيان كملحق، بعد الجنس، والعمر، والمهنة (سعيد 1998، ص. 6).[1]

إن الشتات هو الموقع الذي تجد فيه هذه الخلفية معنى. إن الشتات ماض مُخترَع للحاضر، ومُحوَّل أبداً إلى أشكال ومعان تتوافق مع الحاضر. وبذلك يقوم لا كحقيقة معاشة بل كجزء من مخطط أوسع لإدخال الاستمرارية والتماسك في قصص الحياة المكسورة فرضاً في ظل ظروف الهجرة والنفي. إنه إضفاء للصفة المادية على الأوطان المقولية، والتقاليد، والذاكرات الجماعية، وحالات التوق الشديدة .إنها مقولة من مقولات الوعي التي تفتقر فيها ممارسات الصيغ المضارعة إلى القدرة في ذواتها ومن ذواتها، لكنها تحصل على الأهمية بمواجهة ابتكارية الماضي.

ليس الشتات مفهوماً جديداً. في استخدامه الكلاسيكي، يقدم نموذجاً معيارياً للتاريخ والتجربة اليهوديين، المعاشين في حالة من "انعدام العالم".[2] لكن مؤخراً وجد الكثير من الاستخدام كمقولة تحليلية في الأدبيات الهائلة للهجرة التي تتناول التفرق العالمي للكتل السكانية المهاجرة. وهو يجذب الكثير من خيالنا التحليلي والشعبي ويدعي ثباتاً تفسيرياً في رواية حضور الكتل السكانية المهاجرة وظروفها.[3]

هذا أمر أود التشكيك فيه: استخدام الشتات، باعتباره مقولة تحليلية، في تفسير التجربة المعاصرة للهجرة. ويرتبط أساس تشكيكي بالافتراض نفسه المُبطَّن في المفهوم، أي إصراره على تمييز نموذج الأمة-الدولة والتشكيلات المحددة قومياً عند الحديث عن عملية عالمية كالهجرة. ويتمثل رأيي في أن هذا التفوق البديهي الممنوح للأمم والأمم-الدول كوحدات تحليلية يصعب حمله في وجه التغييرات المعاصرة في الجغرافيا وممارسة المواطنية والانتماء. وسأناقش هنا التطورات التالية للحرب التي تجعل الشتات صعب المنال باعتباره مقولة تحليلية ومعيارية، وتوجه مناقشاتنا إلى تشكيلات جديدة من العضوية والتقدم بالدعاوى والانتماء – إما تبقى غير مرئية أمام المفاهيم التقليدية للشتات أو تُعتبَر غالباً غير ذات أهمية في وجه وزنها المعياري.

يُفترَض أن المفهمات السائدة للشتات تقبل تشكيل المجتمعات والتضامنات المقيدة بشدة (على أساس المرجعيات الثقافية والإثنية المشتركة) بين أمكنة الأصل والوصول (انظر كوهين 1997؛ فان هير 1998). إن مجاميع الشتات تتشكل حين تتفرق الكتل السكانية من وطنها إلى أراض غريبة وتنهمك في حركات بين البلد الأصلي والبلد المستهدف، وتجري تعاملات باتجاهين – اقتصادية وسياسية وثقافية. وفي هذه الصيغة يكون التوجه والارتباط الأساسيين للكتل السكانية المشتتة لأوطانها ولثقافاتها؛ وتنشأ دعاويهم وممارسات المواطنية الخاصة بهم من هذا التوجه المرتبط بالوطن والقائم على الإثنية. بكلام آخر، إن الشتات طريقة من طرق التنظير للتشكيلات التي هي إثنية-ثقافية والتي تشكل الغربة مع الأمم والإثنيات الأخرى. وهكذا فإن مقولة الشتات امتداد لنموذج الأمة-الدولة، وبذلك تتخذ انسجاماً بين الدولة الإقليمية والمجتمع القومي، وتتخذ ضمناً انسجاماً بين الأرض والثقافة والهوية. وهذه المحدودية تحديداً، أو هذا الانغلاق، ما يستلزم تعريف مجاميع الشتات – أي الذين يرتبطون طبيعياً معاً على أساس اختلافهم وهويتهم الإثنيين. إن الشتات امتداد للمكان المخلّف وراء، أي "الوطن"، ومن هنا يبرز انعدام الجذور المفترض للكتل السكانية المهاجرة في الهُنا والآن للشتات وتوقهم الأبدي لآنذاك وهناك. إن هذه النقلة النظرية، إذاً، التي تسم الكتل السكانية المهاجرة بمجاميع الشتات، تتجاهل الاحتمال التاريخي للأمة-الدولة والهوية والمجتمع وتضفي عليهم الصفة المادية باعتبارها طبيعية.

وقد يتمثل رأيي في أنه في فترة ما بعد الحرب، تغيرت الحدود والقواعد المتوقع لمجاميع الشتات أن تتشكل داخلها. وفي أوروبا بشكل خاص، واستجابة للتحولات المؤثرة في السياسة والاقتصاد والمؤسسات المعاصرة لنظام الأمة-الدولة، برزت أشكال جديدة من المواطنية والانتماء والدعاوى. وتزعزع هذه الأشكال الجديدة "النظام الوطني-الطبيعي للأشياء"،
[4] وبالتالي فرضية الشتات نفسها. إن الشتات، باعتباره مقولة تحليلية، أكثر تقييداً من أن يفسر الخطوط الكفافية المعاصرة للعضوية والانتماء. فعلينا أن ننتقل إلى أبعد من المبادئ المعتادة والجامدة للشتات ونوسّع مفرداتنا النظرية والسياسية.

ويتحقق منظور أكثر تحد وإنتاجية عن طريق تركيز قدرتنا التحليلية على المواقع المتكاثرة لتحقيق المواطنية وتطبيقها. ففي عالم من الهجرات التي لا تتوقف، تشكّل هذه الجغرافيات الجديدة للمواطنة المجال الذي نلاحظ فيه ديناميكيات الحقوق والهويات وتوزيعها، وأنماط الاستثناء والتضمين. ويتمثل هدفي في معالجة الأشكال والمواقع الجديدة للمواطنة والسيرورات الأعرض التي تتسبب ببروزها. وأبدأ بتلخيص مختصر للتطورات التي تضع في السياق الصحيح التغييرات في تأسيس المواطنية وممارستها في أوروبا ما بعد الحرب. ثم أتوسع في التناقضين اللذين أراهما أساسيين في فهم التشكيلات المعاصرة للمواطنة، والاستثناءات والتضمينات. ويرتبط التناقض الأول بالحقوق والهويات، العنصرين الرئيسيين في المواطنية، والفك المتزايد لارتباطهما. ويرتبط التناقض الثاني بالأساليب التي يتم من خلالها التقدم بالدعاوى وتعبئتها: إنه اتجاه متزايد إلى دعاوى تخصيصية وفئوية وإلى تشريع هذه الدعاوى عن طريق خطابات تعميمية حول الشخصانية والإستراتيجيات. وأخيراً، أقترح أن يضمن هذان التناقضان إعادة نظر في مقارباتنا السائدة للمهاجرين والعضوية، ولمقولات الاستثناء والتضمين.

 

تغييرات ما بعد الحرب في نظام الدولة الأوروبي

خلافاً لأوجه الفهم والمفهمة السائدة في علم الاجتماع، يقترح عملي أن حدود المواطنية ليست موجودة استثنائياً في الأمة-الدولة بل تشمل كذلك العنصر المحلي والعنصر المتجاوز للقومية. فالممارسة المعاصرة للمواطنة تُفصَل بشكل متزايد عن الانتماء في الجماعة القومية. وبغض النظر عن روابطهم التاريخية أو الثقافية مع الأمة الألمانية، وحتى في غياب الجنسية الألمانية الرسمية، يتقدم المهاجرون الأتراك في برلين بدعاوى تتعلق ببنيات السلطة في برلين ويشاركون في المؤسسات العامة في برلين. وحين يتقدمون بمطالب لتدريس الإسلام في المدارس الحكومية، يتعبأ المهاجرون الباكستانيون في بريطانيا حول هوية إسلامية، لكنهم يحتكمون إلى لغة تعميمية تتعلق بـ"حقوق الإنسان" لتبرير دعاويهم. وهم لا يتعبأون لمجرد التأثير في السلطات المدرسية المحلية، بل ليضغطوا كذلك على الحكومة الوطنية، وليأخذوا قضيتهم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وأرى أن هذين المثلين يزعزعان النماذج السائدة للمواطنة، المعزوة معيارياً إلى سلامة المجتمعات القومية وحدودها. وأقترح أنه لتوفير فهم ذي معنى للتشكيلات المعاصرة للمواطنة، وللاستثناء والتضمين، علينا أن نضم هذه الاختلالات المفترضة إلى "العدة" التحليلية الخاصة بنا.

تتمثل خلفية الآراء التي أثيرها الآن في سلسلة من التغييرات القانونية والمؤسسية والعقائدية المتداخلة في نظام الدولة الأوروبي في فترة ما بعد الحرب. وقد عقّدت هذه التغييرات النظام القومي للمواطنة وأدخلت ديناميكيات جديدة للعضوية والمشاركة في المجال العام. وقد توسعت في هذه التغييرات في مكان آخر (سويسال 1994). وهنا سأوجز أربعة تطورات لها دلالات مهمة لمؤسسة المواطنية وأفكار الهوية والحقوق:

-       أولاً، التغييرات في التركيب القومي والإثني للدول الأوروبية، باعتباره نتيجة للتدفقات الهائلة للهجرة، ليس فقط من المحيط الأوروبي المباشر بل كذلك من "أراض بعيدة".

-       ثانياً، الاشتداد المتزايد للخطاب المتجاوز للقومية والأدوات القانونية التي تصوغ "حقوق الإنسان" أو الشخصانية باعتبارها مبدأ ذا مستوى عالمي. هذا التوسع في الحقوق الفردية، في الاتفاقيات والمؤسسات الدولية بل كذلك في الخطابات العلمية والشعبية، أرسى الأساس الذي يمكن عليه التقدم بالمزيد من الدعاوى والحقوق الشاملة، وأفضى إلى إدخال أشكال جديدة من الحقوق – للنساء والأولاد والأقليات والمهاجرين وحتى للحيوانات والنباتات (راجع تورنر 1986).

-       ثالثاً، الشرعية المتزايدة لحق المرء في "ثقافته الخاصة" وهويته. وقد عُزِّز هذا الحق من خلال التصفيات الهائلة للاستعمار خلال فترة ما بعد الحرب، وكذلك عن طريق أعمال المنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو ومجلس أوروبا. لقد أُعيد توصيف الهوية الجماعية كمقولة من مقولات حقوق الإنسان. وباعتبارها مصاغة كحق، أصبحت الهويات أدوات تنظيمية ورمزية مهمة لإنشاء تضامنات فئوية جديدة ولتعبئة الموارد (كما في حالة الحركات النسائية، والمدافعين عن البيئة، واللوطيين والسحاقيات، والهويات والمصالح المناطقية، ومجموعات السكان الأصليين، والمهاجرين).

-       أخيراً، انتشار السيادة وبروز الحكومات المتعددة المستويات، كالتي نلاحظها مع الظهور التدريجي للاتحاد الأوروبي وتفكك بعض الأمم-الدول الأوروبية إلى مناطق مستقلة ذاتياً ثقافياً وإدارياً (شميتر 1992؛ ماركس وماكآدم 1996). إن انتشار السيادة وتشاركها بين المؤسسات السياسية المحلية والقومية والمتجاوزة للقومية يمكّنان لاعبين جدداً، ويفتحان مجموعة من الإستراتيجيات التنظيمية الجديدة، ويسهّلان المنافسة حول الموارد والتعريفات.

كل هذه التطورات، أي التحولات الطارئة على التركيب السكاني للدول الأوروبية، وتشريع الحقوق على المستوى المتجاوز للقومية، وصياغة الهويات الجماعية كحقوق، والانتشار المتزايد للسيادة، لها دلالات متناقضة بالنسبة للمواطنة القومية. إن لها دلالات متناقضة في ما يخص الطرق التي تُعرَّف فيها الحقوق والهويات وتُوزَّع؛ وكذلك في ما يخص الطرق التي يتم فيها التقدم بالدعاوى وتعبئتها. ومن خلال القيام بذلك، أهدف إلى توضيح اعتراضي على إعادة الإدخال غير النقدية لمبدأ الشتات في نقاشاتنا وتحليلاتنا. 

تناقضات المواطنية

فك الارتباط بين الحقوق والهوية

إن أول تناقض أود أن أتوسع فيه هو الفك المتزايد للارتباط بين الحقوق والهوية. ففي نمط الأمة-الدولة للمجتمع السياسي، يشكّل الانتماء القومي مصدر الحقوق والواجبات للأفراد؛ والمواطنية محددة بالجماعية القومية. لكن مرحلة ما بعد الحرب شهدت إعادة تشكيل متزايدة لحقوق المواطنية (القومية) باعتبارها حقوقاً إنسانية (أو شخصانية) (سويسال 1994).[5]
أما الحقوق التي رُبِطت يوماً بالانتماء في مجتمع قومي، فقد أصبحت بشكل متزايد مجردة ومشرعة على المستوى المتجاوز للقومية.

إن إضفاء الصفة المادية بعد الحرب على الشخصانية والحقوق الفردية يوسع حدود المجتمع السياسي عن طريق تشريع مشاركة الأفراد ودعاويهم أبعد من وضع عضويتهم في أمة-دولة معينة. ومع تفكك الرابط بين المجتمع القومي والحقوق، نلاحظ أشكالاً متعددة من المواطنية لم تعد ثابتة في الجماعيات القومية، توسع مجموعات الأعضاء الحاملين للحقوق داخل الأمة-الدولة وخارجها. وتتمثل هذه الأشكال في عضوية المهاجرين الطويلي الأمد وغير المواطنين الذين يحملون حقوقاً وامتيازات مختلفة من دون وضع مواطنة رسمي؛ وفي الحالات المتزايدة للجنسية المزدوجة التي تخرق الأفكار التقليدية حول العضوية والولاء السياسيين في دولة واحدة؛ وفي جنسية الاتحاد الأوروبي التي تمثل شكلاً متعدد الطبقات من العضوية؛ وفي المواطنات القومية الفرعية في المناطق المستقلة ذاتياً ثقافياً أو إدارياً في أوروبا (مثلاً، بلاد الباسك وكتالونيا وإسكتلندا).

ومع انتقال مصدر الحقوق وشرعيتها إلى المستوى المتجاوز للقومية، لا تزال الهويات بشكل متناقض تخصيصية ومحددة ومنظمة محلياً. فالقواعد العالمية والأطر المؤسسية التي تحتفل بالشخصانية وحقوق الإنسان تؤمم في الوقت نفسه الهويات الجماعية حول خصوصيات قومية وإثنية-دينية.

ولهذا، كما أسلفتُ، علاقة كبيرة بأعمال المنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو ومجلس أوروبا وما شابهها (إلى جانب مجال الأنثروبولوجيا) الذي من خلاله نال الحق العالمي بـ"الثقافة الخاصة" شرعية متزايدة وأُعيد توصيف الهوية الجماعية كمقولة من مقولات حقوق الإنسان. لقد أصبح ما يُعتبَر خصائص تخصيصية للجماعيات – الثقافة واللغة والسمات الإثنية القياسية – أشكالاً مختلفة من الجوهر العالمي للصفة الإنسانية أو الصفة الذاتية. وتمثل هذه الهوية العنصر "غير المختار" وهي مؤممة عبر لغة القرابة والوطن والأمة والأرض. إن الإنسان لا يستطيع إلا أن يملك هوية.[6]

إن الطبيعية والحتمية الباديتين لتشكيلات الشتات (وللتنظير للمجتمعات المهاجرة باعتبارها مجاميع شتات) جزء لا يتجزأ من خطاب الهوية العالمي المهيمن فما أن يُمأسَس باعتباره طبيعياً، حتى ينشئ الخطاب حول الهويات دعاوى متزايدة أبداً حول التميز الثقافي وحقوق المجموعات. وتُطبَّق الهويات الإثنية/القومية وتُرتجَل لتعبئة الدعاوى والتقدم بها في الحكومات القومية والعالمية، فتؤصّل الشتات مصطلحاً من مصطلحات سياسة الهوية. من ناحية أخرى، وكما هي مُمارَسة في الروايات والإستراتيجيات الخاصة باللاعبين من أفراد وجماعات تجيز الهوية أيضاً القوميات والسيادات الإثنية. وهكذا، وإذ تتخذ الحقوق نمطاً أكثر تعميمية وتنفصل عن الانتماء القومي، (فتعطي بذلك أشكال انتماء أكثر تضميناً)، تصبح الهويات في الوقت نفسه تخصيصية عمداً وتسود ممارسات استثنائية (على أساس الهوية). وهذا ما نلاحظه في سياسات الهجرة التضييقية بشكل متزايد في الدول الأوروبية، وتعبير المجموعات الإثنية والدينية عن الانغلاق الثقافي، والممارسات التمييزية على صعيد المواطنية في كثير من الجمهوريات السوفياتية السابقة. لذلك تصطدم أشكال الحقوق الأكثر تضميناً بأشكال الهوية الأكثر استثناء.

 

 التقدم بالدعاوى تخصيصية عبر الخطابات التعميمية للشخصانية والإستراتيجيات

التناقض الثاني الذي أود أن ألفت إليه النظر يتعلق بالتقدم بالدعاوى وبالمشاركة في المجالات العامة، أي بكلام آخر بممارسة المواطنية من قبل الأفراد والمجموعات. ومع عمليات إعادة تشكيل المواطنية التي وصفتها في القسم السابق، تتشوش المقولات القديمة التي تربط الأفراد بمواقع المكانة وآليات التوزيع المحددة قومياً. ويغيّر هذا طبيعة النضالات من أجل المساواة والحقوق الاجتماعية ومحورها. وتبرز أشكال جديدة من تعبئة الدعاوى والتقدم بها ومن المشاركة أبعد من إطار المواطنية القومية.

وإذا تذكرنا، تفترض أفكارنا الكلاسيكية المتعلقة بالمواطنية وجود لاعبين تقوم حقوقهم وهوياتهم داخل حدود الجماعيات القومية. وتشكل هذه المجاميع المواقع "الأصلية" لتحقيق التقدم بالدعاوى والمشاركة المدنية. ويكشف بحثي اتجاهين يتشعبان من هذه الوصفة السائدة للمواطنة. أولاً، نحن نرى اتجاهاً متزايداً لتقديم الهويات والمطالب التخصيصية الموجودة في الوقت نفسه في الخطابات التعميمية حول الحقوق الإنسانية أو الشخصانية وتُشرَّع بها. ثانياً، نحن نرى أن تعبئة الدعاوى يقوم بالاستقلال عن الجماعيات المحددة قومياً وعند مستويات مختلفة عنها (محلي، وقومي، ومتجاوز للقومية). بكلام آخر، إن المراحل الاجتماعية والسياسية للتقدم بالدعاوى تنتشر.

أود أن أتوسع في هذين التيارين عن طريق ذكر الدليل التجريبي من المجتمعات الإسلامية المهاجرة ومشاركتها وتعبئتها في المجالات العامة الأوروبية. ولا أود أن أوحي أننا نستطيع أن نلاحظ الأشكال المتكشفة فقط في حالة المهاجرين المسلمين. إنها اتجاهات أوسع، لكن تركيزي يقوم على المجموعات الإسلامية، فهذه المجتمعات تقوم بوضوح في مركز الخلاف.

أ‌) يتعلق الاتجاه الأول بطبيعة الدعاوى والخطاب. فالمجموعات المهاجرة في أوروبا تتعبأ حول دعاوى بشروط تخصيصية وتؤكد هوياتها الفئوية. لكن دعاويها لا تقوم ببساطة في خصائص الروايات الدينية أو الإثنية. بل، على العكس، هي تحتكم إلى المبادئ التعميمية والخطابات السائدة حول المساواة والتحرر والحقوق الفردية. بكلام آخر، إن الدعاوى التي يتقدم بها المهاجرون والهويات التي يعبئونها، على الرغم من أنها تخصيصية، فهي تستمد شرعيتها وسلطتها من الخطابات التعميمية للشخصانية وحقوق الإنسان. وتتجاوز نظريات الشتات، بتركيزها الاستثنائي على التعاملات الإثنية والتشكيل الاجتماعي، هذه الأنماط الأكبر التي تنشّط الدعاوى والهويات نفسها وتعززها. وقد أخطأت بالتالي في قراءة تعبئة المهاجرين باعتباره ببساطة تطبيقات للإثنية.

دعوني أتوسع في هذه النقطة. حين تساند روابط المهاجرين المسلمين حقوق الأولاد المهاجرين في المدارس وحاجاتهم، تستخدم خطاباً ينتحل حقوق الأفراد باعتباره عنوانه المركزي. وهي تتوسل الأدوات والمعاهدات الدولية حول حقوق الإنسان لتأطير موقعها. وهي تتقدم بمطالب حول التعليم باللغة الأم أو وشاح الرأس الإسلامي أو الطعام الحلال عن طريق تأكيد الحق "الطبيعي" للأفراد بثقافاتهم الخاصة بدلاً من الاعتماد على التعاليم والتقاليد الدينية.

على سبيل المثال، في العام 1989 تفاقمت قضية وشاح الرأس الإسلامي إلى أزمة ونقاش وطنيَّين في فرنسا حين طُرِدت ثلاث طالبات شمال أفريقيات من المدرسة لإصرارهن على ارتداء أحجبتهن في الصف. وفي النقاشات التالية، لم تصبح القضية مجرد خلاف موضوعي حول دمج المهاجرين والعلمانية الفرنسية بل دخلت كذلك المجال العام كمسألة من مسائل حقوق الأفراد. وخلال النقاشات، أعلن رئيس الجامع الكبير في باريس أن القواعد التي تمنع ارتداء وشاح الرأس في المدارس تمييزية على أساس الحقوق الفردية. وكان توكيده على الحقوق الشخصية، بدلاً من التقاليد أو الواجبات الدينية: "إن طلبت فتاة أن تغطي رأسها، أظن أن ذلك حقها الأكثر أساسية" (الواشنطن بوست، 23 تشرين الثاني، 1989). وفي هذه الحال، فإن الهوية الإسلامية، فيما هي ممثلة بوشاح الرأس، أُكِّدت وأُصِّلت من قبل المقولات نفسها واللغة نفسها للمجتمع المضيف، أي من خلال خطاب يؤكد الحقوق الفردية.

وفي حادثة أخرى (في ألمانيا هذه المرة)، في 12 تشرين الثاني 1995، الذي وافق مولد فاطمة (ابنة النبي محمد)، دعا مسجد أهل البيت الشيعي في برلين "جميع النساء المسلمات" للاحتفال بيوم المرأة العالمي. ولم يشمل خطباء اللقاء رجال الدين (الذكور) التابعين للمسجد فقط بل كذلك نساء "مسلمات" من جنسيات مختلفة، تركيات وعربيات وألمانيات. وقد أبرزت النقطة المحورية في الخطابات الملقاة تحرر المرأة، بما فيه المطالب بإنهاء التمييز ضد النساء المسلمات في أماكن العمل والمدارس، ولاسيما على أساس ارتدائهن وشاح الرأس الإسلامي. وغلّفت القضايا المطروحة المصطلحات نفسها الخاصة بالخطاب حول مفهوم الجنسين ("الجندر") المعاصر. وتتبع أحد الخطباء الرئيسيين، وهو إمام شاب، تاريخ قضية حقوق المرأة إلى القرآن. وفيما أشار كثيراً إلى مؤتمر بيجينغ للمرأة، ادعى أن التأكيد "أن حقوق المرأة حقوق إنسانية" من التعاليم المبتكرة للإسلام وثقافته. وأعلن بسخط: "في مؤتمر بيجينغ، حين قال أحدهم، "إن حقوق المرأة حقوق إنسانية"، هللت آلاف النساء وصفّقن. على ماذا كنّ يهللن؟ لقد قلنا هذا قبل 1400 سنة! القول قولنا!" لقد كان اللقاء مناسبة لربط المجال الأخلاقي الإسلامي بالهموم والخطابات المعاصرة حول النساء عبر الحديث إليهن وعبرهن.

دعوني أورد توضيحاً هنا: من الواضح أن المجموعات الإسلامية في الدول الأوروبية لا تتحدّث في إطار استطرادي متناسق. ولا يستنفد المثلان اللذان قدمتهما للتو بأي طريقة نطاق الروايات التي تستخدمها المجموعات الإسلامية. فقد أعلن إمام تركي في نانتوا خلال حديثه عن الحجاب الإسلامي أن ارتداءه "قانون إلهي" وضغط على العائلات الأتراك أن تسحب بناتها من المدارس. وقد أدى هذا إلى انقسامات جدية في صفوف المجتمع التركي المهاجر وإلى إبعاد الإمام في نهاية المطاف من فرنسا (كيبيل 1997، ص. ص. 222-23). كذلك يمكن العثور على مواقع إسلامية تقيم دعاويها على قوانين عائلية مصاغة دينياً تبيح التفاوت في المكانة بين الجنسين. وتشير هذه الإعلانات بوضوح إلى دعاوى وقيادة بديلتين، ومتناقضتين غالباً، في صفوف المجتمعات الإسلامي. وليس هذا شيئاً أنكره. فنقطتي هنا تتمثل في تحديد الأنماط التعميمية السائدة للتقدم بالدعاوى من قبل مجموعات إسلامية تتعرض للتجاهل في العادة، وفي توضيح دلالاتها بالنسبة لمجالاتنا النظرية.

لكن توضيحاً آخر مسوغٌ هنا. من المسلّم به أن هناك تنوعاً كبيراً في التعامل مع أنواع الدعاوى المقدمة. ففيما تواجه بعض الدعاوى مقاومة تنظيمية، يُقبَل بعضها الآخر بشكل أكثر مباشرة ويُضَم في البنيات الرسمية للدولة. فالسلطات التربوية في بريطانيا، على سبيل المثال، أكثر استعداداً للتعامل مع الدعاوى المتعلقة بقواعد اللباس الإسلامي، أو حتى تعليم لغات المهاجرين في المدارس. من ناحية ثانية، فإن القوانين العائلية المصاغة دينياً (أو تعدد الزوجات وختان الإناث) التي تنشئ تفاوتاً في المكانة بين الجنسين لا تُعتبَر مطالب مشروعة. فهنا، ينافس مبدأ المساواة بين الجنسين مبدأ المساواة الدينية، وكلاهما متضمّن بوضوح في المواطنات الأوروبية والأطر المتجاوزة للقومية. وفي أوروبا، تُصاغ معاملة النساء في قوانين ومؤسسات علمانية، لذلك فإن محاولات إخضاعها لمجال ديني خاص تنشئ نزاعاً. وفي بحثي أحاول أن أفك الديناميكيات المتناقضة بين مختلف الخطابات والمبادئ المشرِّعة، وأن أشرح كيف تفضي هذه الديناميكيات إلى دعاوى وتمكينات متناقضة في المجال العام.[7]

ولتكرار نقطتي الرئيسية، لا تبرر المنظمات الإسلامية الذين أدرسهم مطالبهم بأن تعودوا ببساطة إلى التعاليم أو التقاليد الدينية بل عبر لغة من الحقوق، وبالتالي من المواطنية. ومن خلال استخدام لغة الحقوق تمارس هذه المنظمات مشاريع مدنية وتربط أنفسهم بالمجالات العامة الأوسع. لكن مشاريع المواطنية التي تشاركون فيها ليست بالضرورة محددة قومياً. فكلهم متعدد المرجعيات مكانياً ورمزياً.

وحين تتقدم الروابط الإسلامية بمطالب حول الحجاب في المدارس، لا تكون دعواها دعوى للانتساب لـ"جماعية فرنسية" بل للنظام التربوي نفسه، الأمر الذي تعتبره حقها الأكثر طبيعية. وهذا، كما أرى، ليس بالضرورة فك ارتباط عن الحياة الجماعية لكن الجماعية لم تعد مرتبطة بمجتمع قومي محتوم. بل تحاول أن تعيد تعريف الطبيعة ذاتها للمجتمع القومي.

ب‌)  يتمثل الاتجاه الثاني المتعلق بالتقدم بالدعاوى في أن الإستراتيجيات التنظيمية المطبقة من قبل المجموعات المهاجرة تنال بشكل متزايد شخصية متجاوزة للقومية ومتفرعة عنها. وتمتد شروط مشاركتها أبعد من حدود العنصر القومي، وتتجاوز المحليات المتعددة، وتربط المجالات العامة بشكل متجاوز للقومية، وتشكّل "الفضاءات للسياسة ومنها".[8] مثلاً، نجد الأحزاب السياسية، ومنظمات المساجد، والروابط الأهلية العاملة على المستويات المحلية لكنها لا تقصر دعاويها على محلياتها. فخلال الانتخابات الأخيرة في برلين، دفعت منظمات المهاجرين الأتراك من أجل حقوقها بالتصويت المحلي ومطالبها بالتصويت في الانتخابات الأوروبية، فيما ضغطت في الوقت نفسه على الحكومة التركية لتسهيل حقوقها بالتصويت في الانتخابات القومية التركية. وهكذا هي تتصور مشاركتها في فضاءات مدنية متعددة، في برلين وفي أوروبا وفي تركيا. ويشكل هذا بشكل متزايد اتجاهاً بين الكتل السكانية المهاجرة في أجزاء أخرى من العالم. فدعاوى مماثلة يجري التقدم بها من قبل المجموعات المهاجرة المكسيكية والأميركية الوسطى في الولايات المتحدة. وهي تطالب بجنسية مزدوجة وحقوق انتخابية مزدوجة في بلدان تحدرها وإقامتها. وفي الواقع أقرت حكومات المكسيك وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان أخيراً تشريعاً يجيز الجنسية المزدوجة.

وفي متابعتها لدعاويها، تشمل تعبئة المجموعات المهاجرة دولاً متعددة ووكالات سياسية وتستهدف مؤسسات متجاوزة للقومية ومتفرعة عنها. ومجدداً، على سبيل المثال، لم تكن قضية وشاح الرأس الإسلامي ببساطة مسألة مقتصرة على مزاج أحد المجالس المدرسية المحلية، بل اجتازت مجالات السلطة القضائية المحلية والقومية والمتجاوزة للقومية – من السلطات التربوية المحلية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. كذلك في بداية التسعينيات حين رفضت السلطات المحلية أن تسمح بفتح مدرسة ابتدائية إسلامية أخرى، قررت المؤسسة الإسلامية في لندن أن ترفع القضية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي الواقع، يرفع عدد متزايد من الروابط الإسلامية عملياتها إلى المستوى الأوروبي، فتؤسس منظمات ومنتديات جامعة لتنسيق نشاطاتها ومتابعة جدول أعمال ذي نطاق أوروبي (كاستوريانو 1996).

لذا، فيما تستهدف دعاوى المجموعات الإسلامية وتعبئتها تعزيز الهويات والتضامنات التخصيصية، تحتكم هذه المجموعات، للمفارقة، لمبادئ تعميمية حول حقوق الإنسان وتربط نفسها بمجموعة مختلفة من المجالات العامة. وهكذا ليست تعبئتها ببساطة إعادة ابتداع للخصوصيات الإثنية أو الدينية. كما أن مشاريعها وتعبئتها المدنية ليست ذاتية المرجعية إثنياً بل تعكس الأنماط الأكبر للحقوق والشخصانية. وباعتمادها على الأرصدة التعميمية للتقدم بالدعاوى، تشارك هذه المجموعات في الوقت نفسه في إضفاء الصفة المادية على المجتمعات المضيفة والخطابات العالمية وتساهم فيه.

وتشير جميع هذه الأمور إلى تضامنات وأشكال تشاركية لا يمكن استيعابها من قبل مفهوم الشتات. فمن خلال تركيزها استثنائياً على المحور الإثني للأوطان والمهجر، تهمل نظريات الشتات تجاوزات الحدود والجماعيات القومية وتنسى الطرق الجديدة التي يختبر فيها المهاجرون عضويتهم ويطبقونها. في هذه الطوبوغرافيا الجديدة للعضوية، إن ما يشكّل أسس المشاريع المدنية لم يعد "الترابطية الأفقية" بين أعضاء أحد المجتمعات الإثنية (أي الثقة والتضامن المتبادلين على أساس الانتماء الإثني). وهنا تُظهِر "الروابط التي تربط" أنفسها عبر المشاركة في "الرابط العمودي" ومن قبله مع خطابات مشتركة وتعميمية تتجاوز المصطلح الإثني نفسه للمجتمع.

ولإكمال الصورة، دعوني أشير باختصار إلى مهاجري الجيل الثاني، الذين يُعتبَرون منتِجين مبهَمين للثقافات والهويات الشتاتية. فبعيداً من أن يكونوا امتدادات بسيطة لـ"أوطانهم"، فإن مهاجري الجيل الثاني – المغاربة، والباكستانيين، والأتراك، والكاريبيين، والبنغاليين الذين يعيشون في عواصم الهجرة في أوروبا – يفاوضون على الهويات الجماعية المفصولة عن المواطنات الإثنية-الثقافية وينظمونها (بومان 1996؛ سويسال 1999). وهم ينتحلون رموز هويتهم على حد سواء من التدفقات الثقافية العالمية ومن الممارسات الثقافية للبلد المضيف أو الأصلي. وباعتبارهم حاملين لـ"ثقافات شبابية فرعية"، يكونون بشكل متزايد جزءاً من العنصر العالمي (غيلروي 1993؛ أميت-تالاي وولف 1995؛ هانرز 1996)، ويتجاوزون في كثير من الطرق العنصرين القومي أو التقليدي. لذلك يجب ألا يكون من المفاجئ أن الشبان الأتراك في ألمانيا يستمعون إلى موسيقى الراب بقدر ما يستمعون للشرقي التركي والليد الألماني إن لم يكن أكثر؛ أو أن "عصابات الشبان" بين المهاجرين تتبنى أسماء بالإنكليزية: Two Nation Force (قوة الأمتين)، Turkish Power Boys (فتيان القوة الأتراك)، Cobras (أفاعي الكوبرا)، وBulldogs (كلاب البولدوغ)؛ أو أنهم يشكلون فرق راب تحمل التسميات الذكية Cartel (الكارتل)، Microphone Mafia (مافيا المذياع)، وIslamic Force (القوة الإسلامية)؛ أو أن كتاباتهم على جدران برلين تكرر كثيراً أساليب نيويورك الشهيرة.

من خلال إبراز هذه التجربة المهاجرة الوافرة في كثير من المجالات، أتمنى أن أقول إن الفضاءات العامة التي يعمل فيها المهاجرون ويتعبأون ويتقدمون بالدعاوى وينتجون ثقافات هي أوسع من المجال الإثني للشتات. فروابطهم مع الخطابات المتعددة المستويات ووصولهم إلى الممارسات المتعددة للمواطنة غير مرئية في ظل طريقة عمل التنظير حول الشتات. ولا يمكن كذلك لامتداد تعبئتهم وتعدد مرجعياتها أن يُحتويَا في التعاملات والترتيبات الإثنية الثنائية الاتجاه.

 

استنتاج

تشير تجربة المهاجرين ما بعد الحرب في أوروبا إلى تحوّل عن الأشكال الكلاسيكية للمشاركة في المجال العام، وتعبئة الهويات، والتقدم بالدعاوى. وكان معظم عمليات تصفية الاستعمار وحركات الحقوق المدنية في الستينيات والحركات النسائية المبكرة محاولات لإعادة تعريف الأفراد كجزء من الجماعية الوطنية. وبالطريقة نفسها، رُبِطت الحركات العمالية من الناحية التاريخية بتشكيل مواطنين قوميين. وليست صدفة أن دولة الرفاه تطورت كجزء من المشروع القومي، فربطت الحركات العمالية بالأمم (كما في ألمانيا البسماركية). على أي حال، وكما حاولت أن أحدد بأمثلتي، فإن التشكيلات المتكشفة للمشاركة الجماعية والتقدم الجماعي بالدعاوى في أوروبا تتراجع كمشاريع مواطنة محددة قومياً. فالأفراد والمجموعات الجماعية تضع جدول أعمالها لإدراك الحقوق من خلال الهويات التخصيصية، المضمنة في خطابات تعميمية ومجانِسة حول الشخصانية وحقوق الإنسان والمدفوعة بها. وهذا الانتقال في التركيز من الجماعية القومية إلى الهويات التخصيصية لا يدل بالضرورة على ابتعاد عن المشاركة في المجالات العامة أو على خلق لمجالات مدنية متحللة. بل على العكس، هو دليل على الأشكال التشاركية المتكشفة، وعلى المجالات والمستويات المتعددة حيث يطبق أفراد مواطنتهم ويمارسونها.

وفيما نقترب من نهاية القرن، تقدمت المواطنية إلى الواجهة باعتبارها قضية شاقة، نظرياً وسياسياً في آن. لكن نظرياتنا ووصفاتنا المنهجية لم تستجب لحد الآن للتغييرات في مؤسسات المواطنية والحقوق والهوية. فللقيام بذلك، نحتاج للتحرك أبعد من العنصر التقليدي، وأن نعيد النظر في جداول أعمالنا النظرية وأطرنا التحليلية. واستناداً إلى الآراء التي طورتها هنا، أود أن أقترح ثلاثة تصحيحات لتفكيرنا الاجتماعي الحالي حول المواطنية والهوية:

أولاً، إن الانقسام المفترض بين الخصوصي والعالمي لم يعد قائماً. ويجب علينا أن ننظر في الآليات التي لا يعزز من خلالها خطاب الحقوق التعميمي الهويات والدعاوى التخصيصية فحسب، بل يطبّع أيضاً هذه الهويات نفسها في الوقت نفسه. إن الهويات والدعاوى التخصيصية التي نصادفها اليوم نتائج حتمية للمبادئ التعميمية التي نلتزم به بثبات. وهكذا، ليست المسألة مسألة اعتراف إيجابي أو سلبي بهذه الادعاءات والهويات (أو حتى مسألة التعامل معها). فالمهم حقاً هو العملية ذاتها من التفاوض والتحدي والحوار التي تٌعبّأ فيها هذه الادعاءات والهويات. ففي نهاية المطاف، فإن المجابهة والحوار هما ما يشكّل قاعدة المجالات العامة الديمقراطية.

ثانياً، لم يعد هناك من أنماط مطلقة وواضحة من الاستثناءات والتضمين. ولا تتطابق هذه الأنماط ببساطة مع حدود العنصر القومي. وليس الوصول إلى منزلة جنسية رسمية المؤشر الرئيسي على التضمين أو الاستثناء في أوروبا اليوم. أما الحقوق والعضوية والمشاركة فهي على نحو متزايد أمور تتجاوز مفردات المواطنية القومية. وهكذا، من ناحية، يجب علينا أن نميز السياقات والسيرورات المتجاوزة للأمة-الدولة، والمؤدية إلى التضمينات والاستثناءات المتزامنة. ومن الناحية الأخرى، نحتاج لأن نعيد إلى جدول أعمالنا السياسي إحدى المقدمات المنطقية الرئيسية لعلم الاجتماع: إن التضمين والاستثناء قضيتان من قضايا التوزيع أيضاً. وليست المسألة أن هذه فكرة مبتكرة، لكنها تتطلب فعلاً إرادة سياسية قوية للقيام بها. وهي لذلك تستحق التكرار.

ثالثاً، نحن لم نعد نستطيع تأطير نقاشنا حول العضوية والهويات ضمن الانقسام بين القومي والعالمي، والانتقال الخطي المتوقع بين واحد والآخر. هناك تشويش كثير حول هذه القضية ويُصرَف الكثير من الوقت والطاقة في الجدال حول ما إن كنا نقترب من مرحلة متجاوزة للقومية أم لا. وبدلاً من معالجة العنصرين القومي والعالمي كمرحلتين تتطوران، نحتاج إلى أن نضمهما في أطرنا النظرية كمتغيرين، وأن نعاملهما كمستويين متلاقيين يجب أن تُفهَم الممارسات الحالية للمواطنة والهوية من خلالهما.

تذييل

النظريات عنيدة. فالأمة والإثنية، "التقليدان المخترعان" في القرن التاسع عشر، بحسب إريك هوبسباوم، قد تبقيان معنا لبعض الوقت. بل قد يُعاد ابتداعهما، ويُمنحان إطالة في الحياة، كما في تجديدات المفاهيم القديمة مثل الشتات. وكما قلت، يسبك مفهوم الشتات بسهولة التحركات المعاصرة للسكان كترتيبات وتعاملات وانتماءات إثنية أبدية. وفي القيام بذلك، يعلّق تجربة الهجرة بين البلدان المضيفة والأصلية، والأراضي المحلية والأجنبية، والرغبات والخسائر المرتبطة بالوطن – فيحجب بالتالي الطوبوغرافيا والممارسات الجديدة للمواطنة، المتعددة الروابط والمتعددة المرجعيات والمتجاوزة للقومية.

يجد الشتات وضعاً قوياً في خطاباتنا السياسية والثقافية من خلال تأميمه استعارات الجذور والتربة والقرابة. لكن بسبب افتقاره إلى المتانة التحليلية، من المقدر له أن يكون مجازاً للحنين. إن الشتات يفهرس تذكراً خالداً ويحرك ما أصبح معروفاً بسياسة الهوية. وحول هذا، أعود ثانية إلى إدوارد سعيد وأختم به:

إن الهوية في حد ذاتها تدور حول موضوع ممل كما يمكن للمرء أن يتخيل. فلا شيء يبدو أقل إثارة للاهتمام من الدراسة الذاتية النرجسية التي تنتحل اليوم في العديد من الأماكن صفة سياسة الهوية، أو الدراسات الإثنية، أو تأكيدات الجذور، أو الفخر الثقافي، أو القومية الصاخبة، وهكذا. نحن يجب أن ندافع عن الشعوب والهويات المهددة بالانقراض أو المخضَعة لأنها معتبَرة دنيا، لكن ذلك مختلف جداً عن تفخيم ماض مخترَع لأسباب راهنة. (1998، ص. 7)

 

ياسمين نوهوغلو سويسال محاضرة رئيسية في علم الاجتماع في جامعة إيسيكس \ المملكة المتحدة. وألقت هذه المحاضرة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية يوم الخميس في 20 أيار 1999.
و نُشر فيما بعد في مجلة Ethnic and Racial Studies Vol. 23,1 (2000), pp. 1-15

 

[1] يقتبس سعيد من كتاب أدورنو Minimia Moralia.

[2] من مقدمة رون إتش فلدمان لكتاب هانا أرندت، The Jew As Pariah (1978: 22).

[3] للحصول على فكرة حول ضخامة أدبيات الشتات، يحتاج المرء ببساطة إلى مراجعة لائحة عناوين المؤتمرات والبرامج البحثية الممولة التي جرت أخيراً والكتب قيد الإصدار. وتعد مطبعة جامعة واشنطن بعدة مجلدات حول الموضوع – شتات لكل المجموعات المهاجرة الرئيسية.

[4] العبارة للييزا إتش مالكي (1995).

[5] أستخدم عبارة "حقوق الإنسان" في معناها الواسع والمجرد من دون الإشارة بالضرورة إلى معاهدات أو أدوات دولية معينة وما تحتويه من مقولات.

[6] راجع أندرسون (1983)، وأبادوراي #(1996)، وهرزفلد (1992)، ومالكي (1995)، وغوبتا وفرغسون         (1992)، وسويسال (1996).

[7] عن طريق تأكيد عالمية الخطابات والإستراتيجيات المطبقة من قبل المجموعات المهاجرة، لا اتخذ موقفاً ساذجاً بأن أفترض أن الأفراد والمجموعات ستتحالف وتصل إلى مواقع مناسبة. وهنا أبتعد عن المشروع الهابرماسي، الذي يقول إن السيرورة الاستطرادية، حين تكون عقلانية، تؤدي إلى جمع العقل والإرادة وتخلق توافقاً من دون قهر (هابرماس 1962). ويتضمن المجال العام بالضرورة نزاعاً وتحدياً ونتائج غير متجانسة بغض النظر عن مقدار عقلانيتها. وفي هذا المعنى، يكون دور السيرورة التشاركية الاستطرادية التركيز على جداول أعمال التحدي وتقديم فضاء للعمل الإستراتيجي بدلاً من بناء التوافق (إيدر1995).

[8] استعير العبارة من جاين جنسون (1993: 138).

 

 كلمة شكر
نوقشت الأفكار المقدمة هنا في أوقات وأماكن مختلفة، افتراضية وحقيقية، مع كل من:


 
 
 
Miriam Feldblum, Levent Soysal, Mette Hjort, Jane Jenson, Doug McAdam, Deborah Yashar, Gershon Shafir, Maria Baganha, Damian Tambini, and Hans van der Veen.

 
 
  أود أن أشكرهم.
 
 
 

 المراجع

 
ADORNO, THEODOR W. 1974 Minima Moralia: Reflections from Damaged Life, London: Verso
AMITTALAI, VERED and WULLF, HELENA (eds) 1995 Youth Cultures: A Cross-cultural Perspective, London: Routledge
ANDERSON, BENEDICT 1983 Imagined Communities, London: Verso
APPADURAI, ARJUN 1996 Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press
ARENDT, HANNAH 1978 The Jew As Pariah: Jewish Identity and Politics in the Modern Age, edited and with an introduction by Ron H. Feldman, New York: Grove Press
BAUMANN, GERD 1996 Contesting Culture: Discourses of Identity in Multi-Ethnic London, Cambridge: Cambridge University Press
COHEN, ROBIN 1997 Global Diasporas: An Introduction, Seattle, WA: University of Washington
EDER, KLAUS 1995 ‘The Institutionalization of Environmentalism: Ecological Discourse and the Second Transformation of the Public Sphere’, unpublished manuscript, European University Institute, Florence
GILROY, PAUL 1993 The Black Atlantic: Modernity and Double Consciousness, Cambridge, MA: Harvard University Press
GUPTA, AKIL and FERGUSON, JAMES 1992 ‘Beyond “Culture”: space, identity, and the politics of difference’, Cultural Anthropology, vol. 7, pp. 6–23
HABERMAS, JÜRGEN 1962 [1989] The Structural Transformation of the Public Sphere, Cambridge, MA: MIT Press
HANNERZ, ULF 1996 Transnational Connections: Culture, People, Places, New York: Routledge
HERZFELD, MICHAEL 1992 The Social Production of Indifference: Exploring the Symbolic Roots of Western Bureaucracy, New York: Berg
JENSON, JANE 1993 ‘Deconstructing dualities: making rights claims in political institutions’, in G. Drover and P. Kerans (eds), New Approaches to Welfare Theory, Aldershot: Edward Elgar Publishers
KASTORYANO, RIVA 1996 Négocier l’Identité: La France, l’Allemagne et leurs Immigrés, Paris: Armand Colin
KEPEL, GILLES 1997 Allah in the West: Islamic Movements in America and Europe, Stanford, CA: Stanford University Press
MALKKI, LIISA H. 1995 Purity and Exile: Violence, Memory, and National Cosmology among Hutu Refugees in Tanzania, Chicago, IL: University of Chicago Press
MARKS, GARY and McADAM, DOUG 1996 ‘Social movements and the changing structure of political opportunity in the European Union’, West European Politics, vol. 19, no. 2, pp. 249–87
SAID, EDWARD 1998 ‘Between Worlds’, London Review of Books, vol. 20, no. 9, pp. 3–7
SCHMITTER, PHILIPPE C. 1992 ‘Interests, Powers, and Functions: Emergent Properties and Unintended Consequences in the European Polity’, unpublished manuscript, Department of Political Science, Stanford University
SOYSAL, LEVENT 1999 ‘Projects of Culture: An Ethnographic Episode in the Life of Migrant Youth in Berlin’, PhD thesis, Harvard University
SOYSAL, YASEMIN NUHOGLU 1994 Limits of Citizenship: Migrants and Postnational Membership in Europe, Chicago, IL: University of Chicago Press
—— 1996 ‘Boundaries and Identity: Immigrants in Europe’, European Forum, Working Paper Series, European University Institute, Florence
TURNER, BRYAN S. 1986 ‘Personhood and Citizenship’, Theory and Society, vol. 3, pp. 1–16
VAN HEAR, NICHOLAS 1998 New Diasporas: The Mass Exodus, Dispersal and Regrouping of Migrant Communities, Oxford: Oxford University Press
 

 جميع الحقوق للترجمات المنشورة علىهذا الموقع محفوظة لدى مؤسسة هينرخ بل - مكتب الشرق الأوسط


 
 
 
 

أصوات أخرى

مقال مترجم حديثا ً إلى العربية

أنطون بيلنكا
عن مخاطر الثقافوية التعددية
 في مواجهة تبسيط فكرة الثقافة الإتنية

قراءات إضافية من مشروع الترجمة
 أصوات أخرى

قريبا

السلطة،الحاكمية، المقاومة وحالة الاستثناء في الوطن العربي

بيروت، 29-30 أب، 2008

 

القوى الصاعدة والشرق الأوسط
بيروت، 24-25 تشرين أول، 2008

ملف

اللاجئين العراقيين

 

التغيير المناخي والشرق الأوسط

 

الحرب في دارفور

إصدارات جديدة

مدن الجنوب: المواطنة والإبعاد في القرن الواحد والعشرين (انكليزي)
مجلد محرر نشر بالتعاون مع
Institute Français du Proche Orient (IFPO) عن دار الساقي