|
نعرف الى أين تتطلع وجوه جيلبر حاج. عيونها معلقة بعين الكاميرا الآلية. لا وهم في هذه الوجوه. إنها صنيعة الكاميرا ولا تقول شيئا آخر. لا تقول إنها لقطة من الحياة سرقتها الكاميرا. لا تقول إنها تقليد للحياة. ما تقوله هو العكس. إنها تمتثل للآلة. تقف كما تريدها أن تقف. وضعة وجاهية بلا أي تعبير. الوضعة الوحيدة التي نحسب أنها تقليد للآلة. ما تريده هذه الوجوه ليس توثيقا ولا تسجيلا ولا سردا ولا وصفا. ما تريده هو الصورة فقط، الصورة التي هي أعلى من اللحظة. من اللقطة. من الحياة الجارية. من التعابير والمشاعر. بل هي أعلى من موضوعها. الوجوه المصورة لن تتذكر شيئا عن نفسها في هذه الصورة. إذا خطر لها شيء فلن يخطر لها سوى وضعها أمام المصور وعين الكاميرا المسلطة عليها. الوجوه المصورة لن تجد نفسها تماما في هذه الصور. ستجد شيئا آخر. شيئا لا يمكن أن تكونه إلا بالموت أو بالاختفاء. لا يمكن أن تكون إلا إذا سبقت نفسها، أو إذا وجدت نفسها في إطار ثان. قد تضحك من نفسها في الصورة وقد لا تضحك، لكنها تعرف أنها صورة لزمن ثان. إنها مؤجلة لما بعدها أو أنها نوع من تصبيرها كما تصبر الطيور أو الحيوانات. لن نقول إن استديو المصور هو دائما مختبر تحنيط وتصبير. لكننا ازاء صور جيلبير الحاج نجرؤ على أن نقوله. ليس التخليد أو التأبيد ما تريده الوجوه من هذه الصور. إنها لا تجد نفسها بالضرورة متسامية مؤلهة فيها. قد تضحك منها. قد تجدها فقط لاستعمال سريع. جواز سفر أو هوية. ثم إنها في العادة تختارها لنسخ كثيرة إذ يحتاج الجوار والهوية الى أكثر من نسخة، وإذا فضلت نسخة وفاضت عن الاستعمال فلا بأس من إهمالها أو رميها. كل منا يحمل في جيبه صورة كهذه وقلّما ينظر إليها إلا وهو مفاجأ وكأنه لا يصدق أن من الممكن أن يكون بعيداً عن نفسه الى هذا الحد. هذه صور تصفنا لآخرين لسنا بالنسبة لهم إلا غفلاً. آخرين يطابقون بين وجوهنا وصورها في الجواز أو الهوية مثلاً أو يتأكدون فيها من هارب أو مطلوب أو مخطوف. إنها صورنا حين لا نحتاج الى أن نكون نحن إلا بمقدار ما يعني هذا الآخرين. حين نكون بالنسبة لهم توقعا أو نعمة أو علامة فارقة..
هذه الصور ليست شيئا سوى صور صافية. إنها لغة الآلة وفكرتها عن الشيء. بل هي صورتنا حين لا نكون سوى صورة، إنها مطابقة وليست مطابقة. لا تتطلع الى أي شيء سوى نفسها وسوى المكان الذي خرجت منه إلى عين الكاميرا. وإذا دلت فهي تدل على فارق ضمن العموم. إنها فقط لكي لا يختفي المرء في العموم ليكون له ذات الوجه. ذات الصورة مع فارق تفصيلي يجعله لا يدخل السجن عن غيره من فرط ما يمكن أن يكون غيره.
ربما يريد جيلبر حاج أن يكلمنا عن وجودنا القبلي والمسبق في الكاميرا. عن صورتنا الافتراضية. عن صورتنا الصافية والكاملة التي لا تلبسنا تماما إلا في غيابنا. إذا كانت هذه الوجوه التي مثلت للكاميرا لا تريد أن تضع فيها إلا ما تعتبره حصة الكاميرا وواجبها، فإن أسهل ما يمكن هو إعارة أنفسنا دائما لآلة ما. قد تكون آلة كلام أيضا. وننتظر منها أن تظهر صورتنا الافتراضية القبلية تلك. |