نصوص
 
 
 بورتريهات جيلبر حاج وحديث عن الهويات الشقية
 
بقلم عباس بيضون

 نسخة للطباعة (pdf)

 

 نعرف الى أين تتطلع وجوه جيلبر حاج. عيونها معلقة بعين الكاميرا الآلية. لا وهم في هذه الوجوه. إنها صنيعة الكاميرا ولا تقول شيئا آخر. لا تقول إنها لقطة من الحياة سرقتها الكاميرا. لا تقول إنها تقليد للحياة. ما تقوله هو العكس. إنها تمتثل للآلة. تقف كما تريدها أن تقف. وضعة وجاهية بلا أي تعبير. الوضعة الوحيدة التي نحسب أنها تقليد للآلة. ما تريده هذه الوجوه ليس توثيقا ولا تسجيلا ولا سردا ولا وصفا. ما تريده هو الصورة فقط، الصورة التي هي أعلى من اللحظة. من اللقطة. من الحياة الجارية. من التعابير والمشاعر. بل هي أعلى من موضوعها. الوجوه المصورة لن تتذكر شيئا عن نفسها في هذه الصورة. إذا خطر لها شيء فلن يخطر لها سوى وضعها أمام المصور وعين الكاميرا المسلطة عليها. الوجوه المصورة لن تجد نفسها تماما في هذه الصور. ستجد شيئا آخر. شيئا لا يمكن أن تكونه إلا بالموت أو بالاختفاء. لا يمكن أن تكون إلا إذا سبقت نفسها، أو إذا وجدت نفسها في إطار ثان. قد تضحك من نفسها في الصورة وقد لا تضحك، لكنها تعرف أنها صورة لزمن ثان. إنها مؤجلة لما بعدها أو أنها نوع من تصبيرها كما تصبر الطيور أو الحيوانات. لن نقول إن استديو المصور هو دائما مختبر تحنيط وتصبير. لكننا ازاء صور جيلبير الحاج نجرؤ على أن نقوله. ليس التخليد أو التأبيد ما تريده الوجوه من هذه الصور. إنها لا تجد نفسها بالضرورة متسامية مؤلهة فيها. قد تضحك منها. قد تجدها فقط لاستعمال سريع. جواز سفر أو هوية. ثم إنها في العادة تختارها لنسخ كثيرة إذ يحتاج الجوار والهوية الى أكثر من نسخة، وإذا فضلت نسخة وفاضت عن الاستعمال فلا بأس من إهمالها أو رميها. كل منا يحمل في جيبه صورة كهذه وقلّما ينظر إليها إلا وهو مفاجأ وكأنه لا يصدق أن من الممكن أن يكون بعيداً عن نفسه الى هذا الحد. هذه صور تصفنا لآخرين لسنا بالنسبة لهم إلا غفلاً. آخرين يطابقون بين وجوهنا وصورها في الجواز أو الهوية مثلاً أو يتأكدون فيها من هارب أو مطلوب أو مخطوف. إنها صورنا حين لا نحتاج الى أن نكون نحن إلا بمقدار ما يعني هذا الآخرين. حين نكون بالنسبة لهم توقعا أو نعمة أو علامة فارقة..

هذه الصور ليست شيئا سوى صور صافية. إنها لغة الآلة وفكرتها عن الشيء. بل هي صورتنا حين لا نكون سوى صورة، إنها مطابقة وليست مطابقة. لا تتطلع الى أي شيء سوى نفسها وسوى المكان الذي خرجت منه إلى عين الكاميرا. وإذا دلت فهي تدل على فارق ضمن العموم. إنها فقط لكي لا يختفي المرء في العموم ليكون له ذات الوجه. ذات الصورة مع فارق تفصيلي يجعله لا يدخل السجن عن غيره من فرط ما يمكن أن يكون غيره.

ربما يريد جيلبر حاج أن يكلمنا عن وجودنا القبلي والمسبق في الكاميرا. عن صورتنا الافتراضية. عن صورتنا الصافية والكاملة التي لا تلبسنا تماما إلا في غيابنا. إذا كانت هذه الوجوه التي مثلت للكاميرا لا تريد أن تضع فيها إلا ما تعتبره حصة الكاميرا وواجبها، فإن أسهل ما يمكن هو إعارة أنفسنا دائما لآلة ما. قد تكون آلة كلام أيضا. وننتظر منها أن تظهر صورتنا الافتراضية القبلية تلك.

 
 

عباس بيضون محاضرا

 

هناك آلات كلام وفن إذن ونحن نتطلع الى عينها وننتظر منها أن تمنحنا تلك الصور العامة التي تتمايز بفارق وحيد قد يكون الاسم والتوقيع. تتباهى الأمم وتتباهى الأعراق في هذا العموم السديمي إذ لا يمكن للمباراة أن تتم إلا حين يكون الامتحان هو نفسه للجميع. المباراة تتم بين تلك الصور الافتراضية التي تصنعها آلة واحدة أو آلات متقاربة. للوطنيات على سبيل المثال لغة متقاربة، وكم يرعب أن نكتشف أن شيئا من لغة النازي موجود عن قصد أو غير قصد في لغة مثلا le pen وطنيات أخرى. إذا كان الوجه أبيض أو أشقر أو أسود أو فتى أو امرأة فإنه يفوّض الكاميرا أن تجعل له صورة تتخطى ذلك وتؤمثله. لا شك في ان العالم في نظر الكاميرا الاشتراكية السوفياتية كان واحدا ولم تكن الألوان والأعراق والظروف سوى فوارق ثانوية. قبيل الحرب كانت مؤتمرات الحزب الشيوعي على يقين من اندراج المجتمع اللبناني في صفوف طبقية. كان الليبراليون اللبنانيون لا يشكون أننا أدنى ما يكون من دولة حديثة تنتظم فيها الكتل والجماعات حول رؤى ومصالح سياسية واقتصادية. لم يكن الشيوعيون يحسبون أننا وصلنا لكنهم لا يشكون أننا بدأنا. وكذلك كان الليبراليون، أي إن الجميع يعتبرون الخصوصيات حالة من الفوضى والتبعثر قبل أن تصل الى جادة السياق العام. الى الصورة الصافية التي تنحصر فيها الفوارق في أقل عدد وأقل صفة. لكن الفارق لا يحتاج الى عدد أو صفة ليغدو فجأة حاسما أو متسلطا. سنتكلم عن هذا في ما بعد، لكن ما يهمني الآن هو الآلات التي تصنع صورا على مقاسها وتوحي لنا بأن نقلدها. ما يهمني هو هذه الحاجة الى صور تتجاوز دائما خصوصياتنا وتجعلنا نحن أنفسنا نوعا من الصور. ليست هذه عن سذاجة ولا جهالة وليس لنا أن نتهم أصحابها بالتعالي أو الانفصال عن الواقع، فالواقع يفتقر الى التحديد، وليس دائما صدقا وحقا فهو يشمل الوهم والخداع. ثم انه يتظاهر في كل الأشكال والأحوال، وقد يكون مجرد عدة نختار منها ما يناسب ونغفل ما لا يناسب. ليست سذاجة ولا جهالة بل هي حاجة الى أن ننظر الى أنفسنا في أنساق لا نعرف أو لا نريد أن نعرف من أين سقطت علينا، أهي من الآلة التي وقفنا قبالتها فحسب، هل أتتنا عرضاً أو خطرت لنا صدفة من أي مكان لتغدو فجأة أصلا لا يتزعزع في تعريفنا بأنفسنا أو تقديمنا لها. كانت القوميات دأب النخب في مطالع القرن الماضي، وها هي الآن نبض الشارع، ولا نعرف الى الآن إن كان هناك ثمة مثال سابق لياسر عرفات وصدام حسين وحتى أسامة بن لادن، بل نحن لا نعرف كيف استحالت هذه أو تلك أنماطا مسيطرة. فانتقال الصور كاجتراحها أمر عبث. تبدأ الصور غريبة محيرة ثم تتلبسنا وتغدو كل فكرتنا عن أنفسنا. هناك بالطبع هذه الحاجة الى العموم لكن أيضا الحاجة الى الفارق الوحيد غالبا الذي هو أيضاً صوري لكنه يغدو فجأة حداً بين ذوات وذوات. الفارق الذي يكون بحت تكرار أو بحت تسمية، فما يعني أن تكون عربياً أو ألمانياً أو فرنسياً، سوى تكرار ذلك كل مرة أو إضافته كل مرة وكأنه توقيع لا غنى عنه. صناعة الصور هي أيضا صناعة الفوارق. لا تختلف وجوه جيلبير الحاج في شيء لأول وهلة. تتمايز عيونها وألوانها وسحنها بالطبع، لكن ما تريد أن تقوله هو انها رغم ذلك لا تملك فكرة أخرى عن أنفسها.

 
 رغم ذلك نرى أن اللحظة التي تفترق فيها عن بعضها بأي وازع ليست بعيدة. يمكن للاسم أو اللون أو الجنس أن تغدو فجأة حدوداً لا تقهر. يمكن بالطبع أن تقع الصورة الطارئة على نعرة متأصلة فتلبسها وتستمد منها. وحتى في هذه الحال تزداد النعرة تحت الاسم الجديد خفاءً وتبقى الصورة أظهر وأشد بروزاً. لا نعرف الآن لهذه النزعة الجهادية الضاربة قاعدة واضحة. يستهوي ايناسيو سيلونه في اللوموند أن يجد فيها عنوانا آخر لنزعة قومية مستترة، لكن النزعة القومية بنت في يوم على نعرة مستترة أيضا. وهذا بحد ذاته دوران في فراغ، لكن الصورة التي هي نمط عام تقدر على أن تستولد من نفسها فرقاً قاتلاً على حد لغة أمين معلوف في الهويات القاتلة، ولا نلتمس بسهولة تحليلاً لذلك إلا أن أموراً هي في بدئها تقنيات أو إسقاطات لا غير تغدو في ما بعد كهانة مخيفة. قد تظهّر الصورة أشياء كامنة لكن هذا ليس هو الموضوع. فالمهم أن ليس بين الصورة وموضوعها علاقة ضرورية. بينهما مسافة متروكة للصدفة والارتجال والمصاقبة الصرفة.
 

جيلبر حاج:  شربل الفخري

   

 لكنهما بقدرة غير مفهومة يستحيلان في لحظة جسدا واحدا. كان لكلمة وطنية في الحرب اللبنانية سيادة في الجانبين المتقاتلين، ولم يعن اشتراك الاثنين في الكلمة شيئاً ولا ترك شبهة على اقتتالهما نفسه. يختلف المتكلمون في الجهاد على معناه ويتباينون من الهداية بالكلمة الى قص الرؤوس بجر سكين مثلومة تتمادى في الذبح. لكن الجهاد يبقى مثلاً وصورة تتلبس كل ذلك بلا فرق. ذلك أن الحضور الاعتباطي للكلمة هو ذاته الحضور الاعتباطي للصورة. الصور التي تُعد بقياس محسوب وشرط محسوب لجواز السفر هي الغريبة تماما عن صاحبها، والصور التي يعدها لآخرته غيرها. إنه يعدّ لها صورا أجمل وأنجح يقدر على أن يتخيل ذاته فيها أو يعتقد أنه فيها، لكن الصورة النمطية، صورة الجواز، تغدو صورته الرسمية، الصورة الأصل، وما سواها متفرق جزئي. لنتأمل هذه المطابقة الغريبة لما لا يتطابق أو لم تكن المطابقة غايته. شيء كاعتباطية الدلالة كما افترضها سوسير. إذا كانت مفردة الكرسي تدل على الكرسي دون نقاش فإننا لا نعرف تاريخا كانت فيه كلمة الكرسي والكرسي منفصلين. ذلك متعذر نظريا على الأقل لكن بين الصورة وموضوعها، بين الوطنية والجهاد وتجسيداتهما، مسافة زمن على الأقل. يمكننا نظريا أن نتصورهما منفصلين أو متباعدين. لذا نعجب من أن يتطابقا فجأة وكأنها من معدن واحد. تقع الصورة على الموضوع في أول الأمر وقوعا مضطربا محيّرا. فيظهر بين الاثنين اختلال أو تباين أو تراكب قلق، ثم إذا بهما في لحظة قد تلابسا واندمجا. كانت العروبة في أول أمرها نبتاً مسيحياً ثم إذا بها والإسلام شيء واحد وقد تلابس في ما بعد طائفة أو مذهباً. ثم إن الصورة قد تصنع تاريخها. يقول السلفيون إنهم أمناء للسلف لكن هذا السلف ليس الترجمة ولا علم الكلام العقلاني ولا الفلسفة ولا الشعر ولا الحكاية، فأين يكون هذا السلف إذن. وإذا علمنا أن الصينيين يزعمون انهم اخترعوا الشاي قبل أن توجد الصين، فهمنا أن تلك الآصرة بين الصور الأصلية والقدم خادعة ومصنوعة، واحتجاج هذه الصور بالتاريخ بلا أساس، وما من سبيل الى أن يغدو التاريخ أسطورة وقدسا وحرزا إلا أن نستنبعه من صور كبرى أو أصلية. كأن التاريخ حيلة الصور لتبدو أقدم من نفسها. إذا كانت الصور في حقيقتها بلا ماض فإنها هكذا تستولي على ماض أو على الماضي. ليس ذلك صعبا عليها لأنه لا يحتاج الى علم ولا الى تثبت، فليس أسهل من أن يتلبس التحريض ثوب العلم والتاريخ وليس أسهل من أن ينجح التحريض ويعم. يكفي أن تقول إن شيئا في خطر ليهب الجميع. يكفي القول إن الأمة أو الثقافة أو شجرة الأرز أو النخلة في خطر لتجد مصغيا ولتجد تكتلا. ليس لزاما أن تكون القضية أكبر أو أصغر، فالتحريض ليس بموضوعه انه بنعرته. ليس أكثر من مباريات الكره إظهارا للعصبيات من كل نوع، ولا نعرف كم يمكن أن ينجح التحريض حتى حين يكون المحرض مكروها أو ظالما. فالحاجة الى نعرة شيء قلما تتعافى منه الأمم. وإذا تكالبت الأمور والهزائم والمواجع على شعب خرج منها الى أي نعرة كانت، خاصة تلك النعرة التي تلقي التهمة على الأجانب والعملاء. لكم تأجل مصير طاغية بسبب نعرة كهذه، وكم نجح حكم مهترئ في أن يطيل أمده بإحياء نعرة كهذه. وحتى الأمم التي تتعافى نسبيا لا تأمن من أن يعاودها المرض. يكفي أن ينحسر العصر الذهبي ليابان اليوم وتتحول أميركا عن دعمها حتى تعاود الوطنية الإمبراطورية شباناً يابانيين. الأرجح أن التحريض لا يحتاج الى متانة أو صلابة، فقد يكون سخيفا وطفوليا وينجح. من ذلك هذه المباراة الطفولية بين الأشجار. نخل عربي وبرتقال فلسطيني وأرز لبناني ولا نطيل، لكن الصينيين يقولون أيضا ان تاريخ ستة آلاف سنة تفوح كل صفحة فيه بعبق الشاي. تقع الصورة على الموضوع وبينهما أحيانا ما بين الشاي والعزة القومية الصينية. اعتباط بحت. بينهما ما بين أهداف الكرة والنصر الوطني. اعتباط بحت لكن مثقفين فاعلين لا يمتنعون عن أن يزينوا ذلك، وأن يصوغوا ما بين الشاي والعزة القومية أشعارا وخطبا وفلسفة وفكرا، ولا بأس من أن نقول إن جانبا كبيرا من ثقافتنا كان بهلوانيات كهذه وأن أمرا كهذا يؤخر ولادة الثقافة والمثقف طويلاً.

إذا كان ماركس تحدث عن تحول الفكرة الى قوة فإن من شأن العصبيات تحويل الحذر او الخوف او الحسد الى قوة. هناك صورة تقع اعتباطاً على موضوع أصغر يستند بدوره الى عامل لا يصرح باسمه خجلا او حرجا، فقد يكون أطماعا صريحة او منافسة صغيرة او غيرة طفولية. هكذا نغدو في دائرة بل دوائر يصعب فكها. إذا نظرنا الى صور الاسلاف الباقية أحيانا على الجدران بشواربهم المعقوفة وعيونهم الصقرية أصابنا شيء من خوف. فهذه الصور لا تزال بعد زوال الظروف والايام تحتفظ بقدر من سلطانها الذي هو سلطان الصورة بلا أي إضافة. وقد يصعب علينا ان نتخيل ان صورنا سيكون لها ذات يوم على جدران الاحفاد الاثر نفسه. ان اجتراح القوة استعداد فطري للصورة ما ان تقع ولو مصادفة او مصاقبة على نعرة او عصبية او موضوع. سيبدو هذا الكلام سخفا بل سيبدو تدنيسا كبيرا. فما نأخذه بهذه الخفة كان موضع عبادة وتعلق الملايين، ومات من أجله الملايين. في العراق اليوم هذه المفارقة، إذ لا يوازي عبث ما يجري إلا الزخم والعنف اللذين يتم بهما هذا العبث. هكذا يرد الكلام على نفسه. إذ نفهم ان الضرورة والسببية والنظر العقلاني ليست هي التي تمنح الأمور قوتها او جبروتها. قد تدل النتائج على ان للأشياء منطقا خفيا وأن ما نراه فورات غير مفهومة إنما هو تظاهر التاريخ وطرقه الغامضة. لست أستبعد هذا لكن انتظار النتائج لا يترك قولاً لأحد. فالعبرة هنا هي دائما لمن يأتون بعد، أما قبل ذلك فلنا الظاهر وحده. والظاهر يرينا أن ما يفلت من عنف جبار ليس دائما من معدن الحادثة ولا في حدود حاجتها.

يتراءى لنا ان شيئا غير السبب وغير الدافع وغير الحاجة يتدخل. إنه شيء من الخيال، من الغريزة، من المصادفة. من هنا ينجح التحريض بقوة وبائية، بعدوى تكرارية لا أكثر. كان الغرب بالنسبة للعرب مخادعا ومفتريا في اثنتين: سايكس بيكو وقيام إسرائيل. أتكلم عن العصر الحديث بالطبع فحديث الصليبيين قديم بعيد. ورغم ان الاثنتين كانتا حارّتين طازجتين فقد اختارت الحركات الاسلامية الاصولية مراعاة الغرب في السعودية ومصر وبلاد العرب لاجتهادات خاصة آنذاك. هكذا سار أجداد بن لادن أو آباؤه. فما الذي جرى بعد أن برد الجرح او كاد لتتحول الاصولية الإسلامية الى هدم الغرب ومطاردته وناسه وأهله في كل مكان. ليس هذا بالطبع عبثاً في عبث لكن أسبابه ليست على الأقل في ظاهره. ربما هذا ما يجعل الهويات قاتلة لكن غريبة أيضاً. من غريبها أنها لا تتعلم بقدر ما تنسى الدروس، بل الاغلب أنها كلما استفحلت عادت القهقرى. تنام وتصحو صحوة أهل الكهف في غير عصرها وزمانها، وترجع غالبا بالخطاب والشعارات والرموز ذاتها بلا فرق. تخطئ تماما حيث أخطأت من قبل وبالحرف وتعيد سلوكها. وإذا تغيّر شيء فيها فهو ان تزداد عنادا وتبسيطا وانغلاقا، ذلك تدهور أكثر منه تغيرا، إذ قلما تفعل إلا ان تمضي قدما وفي الطريق الذي اختطته ولو واجهت الكارثة بأعين مفتوحة. لو أحصينا هزائمنا لهالنا ان ثمة قرنا كاملا مهدورا هنا. من الهجمة الأولى الى الهجمة الأخيرة تكاد الأمور تتكرر بحرفها ولا يبدو ان ثمة استعداداً، أي استعداد، للرجوع عن خطأ او هفوة. حركة بعد حركة ينتهي الأمر بلا دروس. يُلدغ المرء من الحجر ذاته مرات ومرات. من ال48 بل ال36 حتى حروب الخليج المتكررة، ومن ال56 حتى ال67 حتى ال73. لا تتغير الرحى ولا الخطاب ولا الآلة ولا الزلات ولا النتائج.

 

 

حين يتكلم الأميركيون عن القيم الأميركية فكلام واثق. هانتغتون الشهير يسمّيها ويحصي من بينها اللغة الانكليزية والمسيحية والالتزام الديني فضلا عن المفهوم الانكليزي للقانون والحق والفردية وقيم العمل والقناعة بأن في وسع الانسان إقامة جنة على الأرض. ربما يسعفنا ذلك في ان نفهم ماذا عنى بوش بالنمط الأميركي غداة 11 سبتمبر. سيبتهج كثيرون من العرب بهذه القيم وسيقولون ان عندهم امثالها، اللغة العربية والاسلام والالتزام الديني، وعندهم أضدادهما الشهامة والكرم والانضواء العائلي. سنتذكر ان رسالة المثقفين الأميركيين الى العالم بنت على هذه القيم. وإذا علمنا ان هانتغتون يقول هذا عن خوف من ان يفسد دفق اللاتينيين هذا النظام بلسانهم غير الانكليزي وديانتهم غير البروتستانتية.. إذا علمنا ذلك وجدنا ان هانتغتون وبوش يهوّنان الأمر علينا، ويرفعان عنا حرجاً كبيراً، فأغنية القيم هذه تصلح لكل الشعوب.

جيلبر حاج:  سارة بدر

 
   

 لكن السؤال هو عما إذا كان المثقفون هم حراس القيم السائدة، وإذا كانت الثقافة هي حقا عبادة القيم الثابتة او تكريسها. يغرينا على الأقل من باب التكافؤ أن تكون الاسطورة هي نفسها هنا وهناك. لم يكن عربيا على كل حال أول من ساوى بين خطاب بوش وخطاب بن لادن. لكن هذا على ما فيه من إغراء ومن تعزية خطر. إنه يجعلنا نتساوى في الأسوأ ويرفع عنا مغبة التصدي للأسوأ. بل يجعلنا متفرجين على ما يستفحل في ديارنا وبيتنا وكأنه لعبة أمم لا تعنينا. الخطر هو عدمية سياسية تجعل الخيارات كلها متوازية. تفرز أميركا من حين لحين يمينا طفوليا ويمكن ان تفرز مثلها فرنسا (Le pen) مثلا او النمسا او هولندا.. لكن هذا لا يجعل الديموقراطية والبارانويا الاستبدادية في ميزان واحد. كما انه لا يجعل من كراهية أميركا دينا سياسيا وحيدا او مصدرا وحيدا لكل سياسة. ا

لمساواة في الأسوأ هي الحجة الكبرى لتبرئة الذات. تبدو الحرب اللبنانية أمام مساواة كهذه عاجزة عن ان تصل الى نهاية. لقد انتهت الى تواز مسدود. توازت الوطنيتان في بؤسهما وتحولتا الى وطنيتين شقيتين. شقاء اللبنانوية وانهزامها لا يقل عن شقاء العروبية وانهزامها. بدا وجودهما المأسوي لا يتيح لأي منهما ان تكون حلا او مخرجا. يكفي ما نراه الآن من حصار لهاتين الوطنيتين في داخل البلد وخارجه لنفهم ان الاحتجاج بنسب قديم او امتياز جغرافي لم يعد كافيا. ما نحن فيه هو وطنيات حزينة ولست أكيداً من ان الوطنيات الحزينة تصلح لأن تكون أملا فاعلا. الوطنيات الحزينة هي تبديد الذات غالبا في مشاعر قاتلة لكنها بدون أفق. إنها اجترار بحت، والحال أن الذي يتطلع الى لغة الشبان السياسية اليوم يتراءى له أنها لغة الآباء بل ما قبل الآباء بلا فرق. الوطنيات الحزينة هي أيضا رثاء للذات وانطواء وجداني وشعور مسبق بالهزيمة. وهذه لا تكوِّن هويات فاعلة، بل الأغلب انها هويات متململة ضبابية متشظية. إذا سمعنا كثيرا هنا لغة ما قبل الحرب بل لغة أوائل القرن الماضي فلا يشعر أحد بأن هذا من بقاء الأمور على حالها، فالأرجح ان هذه اللغة تدوّي في فراغ ايديولوجي، بل تدوّي في الواقع في فضاء من اللاتاريخية النافرة، تعمل فيه الآلة اللفظية او تطحن بلا أي صلة معلنة بمسمّياتها. لغة كهذه تبدو تمويهاً لانسداد أيديولوجي سياسي تعود فيه بقايا ايديولوجية الى الظهور مجددا. لم تقدم لنا الحرب حطام مجتمع وحطام دولة وسياسة فحسب بل قدمت أيضا حطاما ايديولوجيا وفكريا. لقد بدت الرهانات كلها متساوية في لحظة ما، سواء على الغرب وعلى العرب وعلى الداخل والخارج. بدت هذه رهانات على هزيمة او رهانات على اكذوبة. الارجح ان الجماعات اللبنانية ضربت أولا من بيوت آبائها الحقيقيين والمتخيلين. هكذا بدت فجأة بلا رهانات وبدت الاطروحات نفسها مجرد اقاويل بلا سند وقوتها في ذاتها فحسب. هكذا نفهم كيف ندخل في منطقة من الغموض واللاتحديد فيما توحي الأبواق الأيديولوجية الصارخة بالعكس. هل نحن حقا ما زلنا في حرب الهويات والوطنيات. هل ما زلنا مجددا أمام وطنيتين وهويتين أم نحن في الواقع في دائرة غامضة بين هويتين ووطنيتين مهزومتين. ماذا يعني لبنان منهار اقتصادياً وتحت الوصاية، لبنان نزف ديموغرافي وتوازن طوائفي مضطرب في وضع عربي مفلس وأمام غرب منقسم. هل يسعنا ان نفصّل من هذا الوضع حقا وطنيتين وهويتين، أم نحن أمام بقايا وطنيتين او حطام وطنيتين وفي دائرة وسطى بينهما ومنهما لا نعرف تماما ما هي. لقد ولدت اللبنانوية من الحلم اللبناني، والعروبية من حلم عربي، فأين بات هذان الحلمان. إنهما بالتأكيد في نكسة. وماذا يمكن ان ينتج من لبنانية مكسورة وعروبية مكسورة.

 

 

إذا دققنا قلنا ان الفوقية اللبنانوية سقطت فيما بقي لبنان للجميع، وإن العروبة في مأزق فيما تبقى اللغة العربية للجميع. إذا دققنا أكثر رأينا ان التجاذب الطائفي أكثر علنية وظهورا من ان يكون حقيقيا. فقد أمكن لهذا التجاذب في ما مضى ان يكون محركا مظلما لكنه بقي مموّها قادرا على ابتكار سطوح أيديولوجية مختلفة وعلى الاختلاط بعناصر أخرى. أما أن يبدو صافيا وعلنيا فهذا ما يشعر بأنه يتحول من محرك الى أداة وربما الى تكتيك او خلاصة واضحة للإفلاس السياسي. يمكن القول إذن انه في المنطقة الرمادية التي نعيش فيها فإن أكثر ما لا يصدق هو ما يسمى الواقع. أكثر ما لا يصدق هو الصور المعلقة الثابتة التي لفرط ما هي كذلك تبدو أبدية. هكذا تبدو العبارات والشعارات وحتى القيم مستعارة من أقرب زمن.

كأننا تقريبا بلا لغة. في المنطقة الرمادية الوسطى حالة من الكمون شبيهة بالتخمر شبهَها بالاستنقاع او الاحتضار الطويل، وربما كانت هذا او ذاك او ذلك. قد تطول الساعة الرمادية او تقصر لكن اللغة المعارة لن تغدو حقيقة.

جيلبر حاج:  إيف عطاالله

 
ومهما طال ذلك الدوي فلن يصبح زمنا فعليا. ربما هو انتظار شاق. انتظار الوقت لناسه. من الصعب الخروج من نفق الوطنيات الكبرى الى شيء ابسط من عدم الأمان، ومن الصعب موازاتها بأحلام من الحجم ذاته. لا شيء يعادل البرانويات الضخمة والاحتقانات الضخمة والكراهيات الضخمة. وإذا شئنا ان نصل الى بر فسنجد أنفسنا مطرودين خارج كوابيسنا العملاقة وأحلامنا. ستكون الخيبة حاضرة في كل وقت فالسلم دائما بارد وليس مثيرا بالطبع. هذا التدرج البطيء في التعايش كما يقال والتدرج البطيء في الحرية الشخصية والحياة الخاصة والقيام بلغة أم مع تعدد لغوي ولا بأس من سنوبية عالمية، فهذه تغدو مع الزمن تقليدا. سيكون هذا باردا وبطيئا ولا يشكل جماع حلم او كابوس، لكن تعريفات العالم والإنسان تصبح اليوم أكثر فأكثر متفرقة متعارضة.

لعلنا أطلنا على جيلبر حاج، او حملناه على ما لم يقله. ليس مراد الحاج تأليه الآلة ولكن ما يتصدّى له هو تأليه الانسان. يمكن ان افكر لقاء هذا التساوي في الصور بوارهول او بجياكوميتي. الأرجح ان هذا التكرار اقرب الى متوالية باخية او نوع من الذكر. لكننا ننسى ان لشخصيات الحاج عيوناً وهذه العيون تسطع أكثر حين تكون الوجوه متماثلة. تسطع أكثر دون ان تخرج من الوضع الإنساني، لكنها تمنح دائما هذه القدرة على عدم الذوبان والعودة الى نقطة البدء.

 
  ألقى عباس بيضون هذه المحاضرة خلال حفلة الافتتاح للمعرض الفوتوغرافي "هنا والآن" للمصوَر اللبناني جيلبر حاج، المنظم بدعم مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هينرخ بُل بماسبة افتتاح المكتب في 3 تشرين الثاني 2004 في المركز الثقافي "Espace SD" في بيروت.
 
 عباس بيضون  شاعر، صحفي، كاتب وناقد أدبي لبناني مشهور، يعمل في جريدة السفير في بيروت منذ عام 1997 بصفة محرر للصفحة الثقافية
 

 
 
 
 

أصوات أخرى

مقال مترجم حديثا ً إلى العربية

أنطون بيلنكا
عن مخاطر الثقافوية التعددية
 في مواجهة تبسيط فكرة الثقافة الإتنية

قراءات إضافية من مشروع الترجمة
 أصوات أخرى

قريبا

السلطة،الحاكمية، المقاومة وحالة الاستثناء في الوطن العربي

بيروت، 29-30 أب، 2008

 

القوى الصاعدة والشرق الأوسط
بسبب الأحداث الجارية في لبنان، تم تأجيل هذا المؤتمر إلى وقت لاحق

ملف

اللاجئين العراقيين

 

التغيير المناخي والشرق الأوسط

 

الحرب في دارفور

إصدارات جديدة

مدن الجنوب: المواطنة والإبعاد في القرن الواحد والعشرين (انكليزي)
مجلد محرر نشر بالتعاون مع
Institute Français du Proche Orient (IFPO) عن دار الساقي