نصوص
 
المجتمع المدني العربي - تقييم التأويلات وتعيين التحدِّيات
 

تأليف: زينة حلبي

بتكليف من: شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية
بالتعاون مع مؤسسة هينرخ بُل - مكتب الشرق الأوسط - أيلول/ سبتمبر 2004

 
 نسخة للطباعة (pdf)
 
 مقدِّمة

I. أوروبا في الطفرة: "المجتمع المدني" في التقاليد الأوروبية

II. المجتمع المدني في التيارات الفكرية

III . تضمينات النقاش في صدد المجتمع المدني

IV. تقييم المجتمع المدني في الخطاب العربي

V. تحدِّيات المجتمع المدني في العراق

استنتاجات

المراجع

هوامش

 
 

مقدِّمة [1]

إنَّ مفهوم المجتمع المدني كما كان قد أُوِّل وفُسِّر في تجربة العالم العربي يرسم صورة مفهوم لم ينتشر انتشاراً واسعاً فحسب، بل نال التوافق أيضاً، وقد لا يكون الواقع مختلفاً كثيراً. وستبيِّن ورقة البحث هذه كيف يتناقض مفهوم المجتمع المدني في الخطابات الفكرية العربية، وكيف يتعرَّض لتفسيرات وتأويلات مختلفة بالفعل.
وهدف هذه الورقة هو تبيان جذور المجتمع المدني التاريخية حتى نتثبَّت من تلاوين تبنِّيه في سياق الخطابات السياسية العربية الراهنة. سيعرض القسم الأول من الورقة لنشوء مفهوم المجتمع المدني، أخذاً بعين الاعتبار التغيُّرات التي حدثت في أوروبا مع تفجُّر الثورة الصناعية ومفهوم العقد الاجتماعي، باعتباره مبدأً أساسياً في تطور المجتمع المدني. كما يبين هذا القسم كيف أنَّ المجتمع المدني حتى في أوروبا كان بعيداً جداً من أن يكون مُتَوَافَقاً عليه، وأنَّ تأويله يتفاوت بحسب اختلاف المدارس الفكرية من ليبرالية وماركسية. وما يهم تذكُّره من هذا القسم هو أنَّ تأويل المفهوم وإن اختلف، يبقى مع ذلك تركيباً أو بنية أوروبية متأثِّرة بالتغيُّرات المادية والسياسية التي حدثت في أوروبا القرن التاسع عشر.
ولكن، ما هو على وجه الدقَّة مفهوم المجتمع المدني الذي تبنَّاه الخطاب الفكري العربي؟ ستبيِّن الورقة أنَّ هذا المفهوم، وكما كان متناقضاً ومثيراً للخلاف في التعليم السياسي الأوروبي، فإنَّ إدماجه (أو تذويته، أي جعله ذاتياً internalisation) ضمن الخطاب الفكري العربي كان أيضاً متخالفاً، وفي بعض الأحيان متناقضاً. وقد نشأت ثلاث وجهات نظر أو رؤى في ما يتعلق بمفهوم المجتمع المدني في العالم العربي. فالرؤية الأولى ليبرالية وتحدِّد المجتمع المدني بعلاقته مع الحداثة ومع الدولة-الأمة ومع المؤسسات الدينية. وستناقش الورقة كيف أنَّ هذه الرؤية الليبرالية تتجاذب مباشرة مع الرؤيتين المنفصلتين الأخريين اللتتين تؤمنان بتكييف المجتمع المدني ضمن بُنى المجتمعات العربية التقليدية ومؤسساتها الدينية. وهذا القسم الثاني من الورقة سيتتبَّع الرؤى الأساسية المتعلقة بالمجتمع المدني التي نشأت في الخطابات الفكرية العربية الحديثة ويستعيدها.
أما القسم الثالث من الورقة فيحدِّد اللاعبين الأساسيين والمتغيِّرات في أيِّ مناقشة تتناول المجتمع المدني في العالم العربي. فما هي تأثيرات الرؤى المختلفة والمتناقضة على لاعبي المجتمع المدني الرئيسيين، كالدولة والبُنى الاجتماعية التقليدية والديموقراطية والإسلام والعولمة والمنظمات المانحة الدولية على سبيل المثال؟ وكيف تؤثِّر تأويلات المجتمع المدني المختلفة على الدينامية ضمن المجتمعات العربية؟
وسيشكِّل تقييم الخطاب الفكري العربي محور القسم الرابع من هذه الورقة، حيث سيناقش أنَّ الحداثة تظل النقطة الخلافية الرئيسية في النقاشات المتعلقة بالمجتمع المدني. والواقع أنَّ هذا القسم سيناقش أنَّه طالما لم تُحدَّد مسألة الحداثة باعتبارها متغيِّراً إشكالياً في النقاش الدائر حول المجتمع المدني، فسيظل هذا الأخير موضوع تأويلات وتفسيرات مختلفة، وسيظل كذلك نقطةً موضوعة على الأجندات السياسية المختلفة. كما سيولي هذا القسم القدر نفسه من الاهتمام لتبيان كيف أنَّ مفهوم "المجتمع المدني العربي" هو مفهوم إشكالي مضمَّناً في المشروع القومي العربي دون أن تحظى عملية بناء أسسه بالمعالجة المناسبة.
كيف تُترجم كل هذه الأسئلة تجريبياً؟ وبكلام آخر، هل نترجم هذا النقاش إلى واقع تاريخي وسياسي؟ أما القسم الأخير فسيتناول العراق كدراسة حالة في تحليل تأثيرات المسائل المختلفة، التي تثيرها الورقة، على تجربته في ما يتعلق بالمجتمع المدني من جهة، وعلى مسألة بناء الدولة وإشاعة الديموقراطية (الدمقرطة) فيه من جهة ثانية.

I. أوروبا في الطفرة: "المجتمع المدني" في التقاليد الأوروبية

1. نشوء المجتمع المدني

بُنِيَت أوروبا في العصر الوسيط على نظام اجتماعي تراتبي يستند إلى مبدأ توزيع الأرض بالتمييز الواضح بين ملاك الأراضي وبين العاملين فيها. ويربط إطار عمل النظام القديم، الإيديولوجي، السلطة بالقداسة ويحسب لها، سواءٌ أكانت سلطة دينية أو سلطة سياسية أو سلطة مطلقة. فـ "مبدأ الحق الإلهي" الذي كان يتمتع به الملوك لم يكن إلا نتاجاً لـ "النظام القديم".
فقد اهتزَّت بُنى "النظام القديم" الاجتماعية، بادئاً، لتنهار وتتحطَّم مع اندلاع الثورات الإنكليزية والهولندية والفرنسية التي شهدت سقوط طبقة النبلاء. وباتت السلطة الإكليركية نفسها موضع نظر لتنامي اللامساواة في المراتب التي تتضمَّنها. ومع القرن الثامن عشر، أصبحت البرجوازيات الرأسمالية الأوروبية الصاعدة ضرورة لأداء مجتمعات ما بعد الثورة التي بدأت تستقل بنفسها تدريجاً عن الكهنوت وطبقة النبلاء (العلوي، الصوراني).
ولقد ترافق تشكُّل البرجوازية الأوروبية مع انتشار قيم هذه الطبقة الجديدة ومعتقداتها انتشاراً واسعاً. وبالفعل، فقد شكَّل التنوير والمذهب العقلي (rationalism) والتطورات العلمية تأثيرات العصر، حيث نمت المعرفة خارج رحم سلطة الكنيسة وعالم القداسة. إذ لم يقم المجتمع المدني، كما عرَّفه "روسو" (Rousseau) بدايةً، بما يتوافق و"المدني" ("civil", civilian)، بل بما يوافق العلمانية (secularism).

 
2. المجتمع المدني في العصر الكلاسيكي

لا يمكن تحديد تطور مفهوم المجتمع المدني بلحظة تاريخية خاصة (أو نوعية) أو بمكان أو بمُوجِدٍ وحيد. ومن الأفضل، بدلاً من ذلك، أن نفهم هذا المفهوم على أنه تراكم للمعرفة متزاوج مع التغيُّرات الاجتماعية الحاصلة في أوروبا تدريجاً والمؤثِّرة في بنائه.
لقد طوَّر نقاش "روسو" و"هوبس" (Hobbes)، المتعلق بطبيعة دولة الإنسان مقابل دولة الثقافة، التنظير للمجتمع البرجوازي. ففي حين يرى "هوبس" أنَّ طبيعة دولة الإنسان الما قبل مجتمعية (pre-societal state) تكمن في "حرب الجميع ضد الجميع"، يؤمن "روسو" بمبادئ الخير والعدالة التي تنطوي عليها طبيعة الدولة المُدينة لطبيعة المجتمع الفاسدة المُقدِّسة للملكية الخاصة. إن تخالف "هوبس" و"روسو"، في ما يتعلق بالدولة ذات الثنائية الطبيعة/ الثقافة، لا يمنعهما من التوافق على ضرورة إيجاد "العقد الاجتماعي" بين الأفراد.
حُدِّد العقد الاجتماعي بأنه اتفاق إرادي في ما بين طرفين على احترام سلسلة من المبادئ. وهذا العقد الاجتماعي، كما جرة تصوُّره، يحمي أيضاً حقوق كل فرد ويحدِّد واجباته. وعلى الرغم من النقاش الذي تناول مفهوم العقد الاجتماعي، فقد حدث سجال مفاده أنَّ المفهوم أصبح المبدأ الأساس في نشوء المجتمع المدني.
هذا، وتشكِّل مساهمة "جون لوك" (John Locke) في العقد الاجتماعي أسس تحديد المجتمع المدني. والواقع أنَّ العقد الاجتماعي في رؤيته ينفي العبودية والإذعان، ذلك أنَّ هدفه يكمن بالتالي في حمايته الأفراد والملكية الخاصة. ويؤدِّي العقد الاجتماعي إلى إلغاء الحكم المطلق الذي يتناقض وروح المجتمع المدني القائم هو نفسه على مبدأ الإرادة الحرة. فالعقد الاجتماعي في تعريف "لوك" مرتبط بحماية الملكية الخاصة. أما تطوير "سبينوزا" لمفهوم "المواطن" فقد جاء تأكيداً على أَفْهَمَة (conceptualization) "لوك" للعقد الاجتماعي والملكية الخاصة. وأما الديموقراطية فقد عُرِّفت بكونها مثالاً أعلى سياسياً يمكنه أن يُوحِّد، في مرحلة واحدة، بين الحرية وبين حكم القانون. فالديموقراطية هي أيضاً نموذج يمكنه أن ينقل السلطة إلى أولئك الذين أعلنهم الشعب مناسبين لتولِّيها.
إنَّ الروابط الوثيقة بين الملكية الخاصة والمواطنية والديموقراطية التي بناها فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر أدَّت إلى تأسيس العقد الاجتماعي بوصفه مبدأً جامعاً في المجتمعات الصناعية الأوروبية الجديدة. وكان المجتمع المدني قد استمدَّ قوته في العصر الكلاسيكي من هذا السياق المنطقي ومن الشرعية السياسية القوية (العلوي، 1991: 58).

3. المجتمع المدني في العصر الصناعي: بين الماركسية والليبرالية

تأسَّست الإيديولوجيتان الليبرالية والماركسية من ضمن إسهامات عصر التنوير الفلسفية، التي حدَّدت مفاهيم الملكية الخاصة والمواطنة والديموقراطية، بحيث كوَّنت حجر الزاوية في فهم المجتمع المدني. وبالنظر إلى تأثيراتهما الفلسفية المشتركة، التقت هاتان المدرستان الفلسفيتان على نقطتين رئيسيتين في فهم تأثيرات الثورة الصناعية، تقوم أولاهما في كِلا فهمهما للدولة، فيما تقوم الثانية في فهم المجتمع الصناعي.
فالدولة في تعاليم كلٍّ من الليبرالية والماركسية تشكِّل جهازاً إدارياً غير مُشَخصَن، قائماً على بُنىً تراتبيةٍ وقوانين صارمة. فالبيروقراطية في ذلك الفهم هي التضمين الصارم المُقيِّد لذلك النظام. فالجيش هو مؤسسة تتطوَّر بالتوازي مع المجتمع المدني أو مجموعة المواطنين وبالاستقلال عنهما. وقيام الدولة الحديثة يستلزم أيضاً الفصل بين كلٍّ من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
هذا، ويتميَّز "المجتمع الصناعي"، بالنسبة إلى كلتا الإيديولوجيتين، بالفصل الواضح بين المجال "الوراثي/العائلي" والمجال "الاحترافي" (professional). ويُعرَف هذا المجتمع، بالقدر نفسه، بتقسيمه الواضح للعمل وتراكم رأس المال. وإدارة توسُّع وزيادة رأس المال تتطلَّب، بالتالي، انتهاج سلوك عقلاني من ناحية، وخلق طبقة العمال من ناحية أخرى. وفي حين أنَّ كلتا الإيديولوجيتين تتفقان على تحديد مشترك لبنية الدولة والمجتمعات الرأسمالية الحديثة، إلا أنهما تفترقان بامتياز في ما يتعلق بالدور المُتَعَيِّن لكل عنصر مكوِّن من عناصر الدولة الحديثة والمجتمع والروابط الاجتماعية والقانونية التي تحكم ديناميتها. إنَّ مفهوم الملكية الخاصة الذي تتمحور حوله المجتمعات الرأسمالية الصناعية، يشكِّل نقطة النزاع والتَّخالف بين الإيديولوجيتين الليبرالية والماركسية.
إنَّ مفهوم الفكر الليبرالي عن الملكية الخاصة يرى فيها مصلحة ينبغي حمايتها. فالملكية الخاصة تُعتبر عاملاً مُواطَنياً ومصدر أمن وازدهار، وتصبح حمايتها واجباً من واجبات الدولة. وهذه الأخيرة تستمدُّ شرعيتها في الفكر الليبرالي من واجب حمايتها مصالح مواطنيها الخاصة وملكياتهم الخاصة. والدولة الليبرالية ليست دولةً تُدَخُّلية (non-interventionist)، وهي تعمل وفقاً لمبادئ العقد الاجتماعي كيما تحمي مصالح مواطنيها أو مكوِّنات "المجتمع المدني"، الذي يشكِّل في الفكر الليبرالي المنطقة الحاجزة ما بين العائلة والدولة.
بيد أنَّ هذا الطابع اللاتَدَخُّلي والحِمَائي للدولة الرأسمالية الليبرالية جُوبِهَ بتحدٍّ جذري من قبل الإيديولوجيا الماركسية التي ترى إلى الدولة على أنها ليست سوى انعكاسٍ لإيديولوجية الطبقة السائدة من حيث الحكم والسيطرة. فالدولة تصبح هنا حامية مصالح الطبقة المهيمنة بالسيطرة على وسائل الإنتاج. والدولة المثالية هي دولة البروليتاريا الماركسية اللينينية، الرامية إلى محو الاختلافات الطبقية. وبالاختلاف عن الدولة الليبرالية اللاتدخُّلية الحامية، تتدخَّل الدولة الشيوعية وتوجِّه وتخطِّط حتى تتمكن من حماية مصالح البروليتاريا.
وتكمن نقاط الخلاف بين الفكرين الليبرالي والماركسي، كما أوردنا آنفاً، في دور الدولة. فمعه يأتي تعريف المجتمع المدني بأنه المجال الحاجز بين المجال الخاص (العائلة) وبين المجال العام (الدولة)، وحتى تتسنَّى حماية المصالح الخاصة من أيِّ سيطرة محتملة للدولة. والماركسية ترى في المجتمع المدني حقل نزاع اجتماعي-اقتصادي، حيث تستغل الطبقةُ الحاكمةُ الطبقةَ العاملة بقوة الإيديولوجيا التي تكوِّن أساس الدولة الرأسمالية (العلوي).

4. المجتمع المدني بوصفه سيطرةً

لا تضع مساهمة "غرامشي" (1891-1937 Gramsci) المجتمع المدني على مستوى البنية التحتية، ولكن على مستوى البناء الفوقي بالتوازي مع "المجتمع السياسي" للأحزاب السياسية أو الدولة. فالمجتمع المدني، الذي يتموقع على مستوى بناء الإيديولوجيا الفوقي، ذو وظيفة "هيمنية". وفي حين أنَّه يمارس سيطرة غير مباشرة، يمارس المجتمع السياسي (أي الدولة وأجهزتها) وظيفة السيطرة المباشرة" أو "القيادة" المعبَّر عنها في دور الدولة والقضاء. وبحسب هذا التأويل، تعمل بنية المجتمع المدني الراهنة في اتجاه تحقيق مصالح البرجوازية الرأسمالية الحاكمة من خلال جمعياته التطوُّعية النُّخَبيَّة. ومع ذلك، فإنَّ ما ينتصر "غرامشي" له هو مجتمع مدني يدمج الطبقة العاملة بنقاباتها والجمعيات العمالية والأطراف التي تكوِّن كلها أساس الدولة التي تخيَّلها مثالاً. وهكذا، يدخل "غرامشي" الثقافة أو الإيديولوجيا باعتبارها حقلاً جديداً يرفع المجتمع المدني إلى التعبير عن الاغتراب الرأسمالي واضطهاد الطبقة العاملة (بشارة، 1998: 200-210).
إنَّ مناقشة التطوير النظري لمفهوم المجتمع المدني وضع عن قصد قبل إطلاق مناقشة التأويل أو التفسير العربي للمفهوم، حتى يتسنَّى لنا مناقشة أنَّ تطوير مفهوم المجتمع المدني حدث بوجه خاص في أوروبا أثناء مرحلة تاريخية تمت خلالها مزاوجته مع كل التطوُّرات على المستويات العلمية والاقتصادية والسياسية والفلسفية. وإذاً، فإنَّ أيَّ فهمٍ لمفهوم المجتمع المدني يجب أن يشدِّد على خصوصية المجتمع المدني التاريخية.
والمهم أيضاً أن نتذكر على هذا المستوى أنَّ نشوء مفهوم المجتمع المدني الأوروبي أثار العديد من التساؤلات التي تحمل تضمينات ميتودولوجية حول أًفْهَمَة المجتمع المدني عربياً. فقد رأينا في النقاشات المبسوطة آنفاً أنَّ الفكر الليبرالي يربط صعود المجتمع المدني بالرأسمالية والليبرالية الاقتصادية والفردانية (individualism) والإرادة الحرة. فقد تطوَّر مفهوم المجتمع المدني مع البرجوازية الأوروبية التي استفادت من التغيُّرات الحادثة في صِيَغ الإنتاج المنبثقة مع صعود الرأسمالية ونشوء الدول الأوروبية. وهذه الأخيرة نشأت على قاعدة التعارض الأساسي مع النظام الديني، حيث أصبح المجتمع المدني اتحاداً حراً بين أناس أحرار بعيداً من سيطرة الثيوقراطية والكنيسة.
وأخيراً، يحدِّد التعليم الماركسي المجتمع المدني باعتباره تعبيراً عن اضطهاد الطبقة العاملة، أكان ذلك على أساس أو مستوى إيديولوجي، حيث تشكِّل الأحزاب السياسية جزءاً جوهرياً وفعلياً من دور المجتمع المدني الثوري. وسنرى على امتداد هذه الورقة أنَّ الدولة والأحزاب السياسية والليبرالية الاقتصادية والجمعيات الدينية أثَّرت في تأويل مفهوم المجتمع المدني وتفسيره عربياً. والمقطع التالي يقدِّم للمجتمع المدني في الخطاب الفكري العربي.

5. عودة مفهوم

جاء مفهوم المجتمع المدني، كما رؤي إليه في المقاطع السابقة من هذه الورقة، في سياق أوروبي تاريخي خاص. وقد رأينا كيف ربطت التغيُّرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت في أوروبا خلال عصري التنوير والثورة الصناعية مفهوم المجتمع المدني بالعقد الاجتماعي وبالدولة-الأمة والعلمانية والرأسمالية والليبرالية الاقتصادية. فقد استخدم التعليم الماركسي المجتمع المدني، آنذاك، كأداة مفهومية وضعته في حقل الصراع المجتمعي الداخلي.
بمَ تُفسَّر العودة إلى استخدام مفهوم المجتمع المدني في أوروبا وإعادة تفسيره في العالم العربي؟ سيقدِّم المقطع التالي تعليلاً موجزاً لاستعادة مفهوم المجتمع المدني الحديثة في العالم العربي. فثمَّة جدال حول أنَّه في الوقت الذي ارتبط فيه ميلاد المجتمع المدني بسياق تاريخي خاص في أوروبا، فإنَّ عودته تعكس أيضاً التغيُّرات الاقتصادية والتاريخية التي حدثت في القرن الواحد والعشرين.
ترك الفكر الليبرالي الكلاسيكي حيِّزاً بسيطاً للمجال العام خارج معادلة المواطن-الدولة-السوق، حيث كل شيء مجال عام وليس دولة يكون سوقاً، وحيث كل شيء ليس مجالاً عاماً يكون سوقاً. لقد فَقَدَ المجتمع المدني، الذي تضمَّن نظرياً تجمُّعات اجتماعية في ظل اقتصاد السوق وخارج الدولة، مميِّزاته الأساسية مع تحققها الكامل وانصهارها ضمن الديموقراطيات الليبرالية التي نجحت في التأثير على تأويل المجتمع المدني وتمظهره.
يكمن المشروع الماركسي في انصهار الدولة في المجتمع. ومع إنجاز ذلك المشروع، ولا سيَّما في روسيا والكتلة الشرقية، تزاوج تلاشي المجتمع المدني مع تلاشي الدولة البرجوازية بالضرورة (بشارة، 1998: 11). لقد أُجبِر المجتمع المدني في أوروبا الشرقية على التلاشي. وظل الوضع على هذا النحو حتى السبعينات، عندما برزت الحاجة إلى خلق إطار عمل نظري، كي يتسنَّى فهم حركة جماهير المجتمع المدني البولوني التي تحدَّت الدولة الشيوعية وجمعت النقابيين والطلاب والمثقفين [2]. أصبح المجتمع المدني بديلاً من الدولة الاستبدادية وشرطاً ضرورياً لازماً لبناء الديموقراطية. كان هذا هو تفسير المجتمع المدني الذي تبنَّاه العالم العربي. وسيحاول المقطع التالي شرح وسائل إدماج المجتمع المدني في الخطاب الفكري العربي.
شهدت الخمسينات والستينات نشوء الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار. ومع أنَّه كان للاستعمار آثار مختلفة على المجتمعات العربية، إلا أنَّه أسهم في صوغ الخطابات القومية العربية (كالبعث والناصرية مثلاً)، التي رأت في سلطة دولة الأمة الحل لمعالجة آثار الحكم الاستعماري. فالخطابات القومية العربية الراديكالية لم تعالج بالشكل الملائم وظيفية المجتمع المدني وعمله، ذلك أنَّ تعريفات الخطاب القومي لمفهوم "الأمة" ربطت بشكل عضوي بين كلٍّ من الفرد والمجتمع والدولة، نافيةً بذلك مبدأ الفصل بين المجتمع المدني وبين الدولة (بشارة، 1998: 11).
أجرت الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إصلاحات زراعية وسياسية من خلال سياسات مدنية وتحديثية. وشارك المثقفون القوميون العرب في الإصلاحات وفي بناء الدولة، حيث لم تكن دولة الشعب الموحَّدة سوى نموذجٍ أو مثالٍ لم يتحقَّق بعد. ومع تصاعد التوتر بين مختلف التيارات القومية العربية (الناصرية والبعث) وضمن التيار نفسه (كما كان الحال بين كِلا البعثين السوري والعراقي) بدأت التصدُّعات تظهر في النموذج الإيديولوجي القومي العربي.
وعلاوة على ذلك، عمَّقت أحداث حرب عام 1967 والاتجاهات التوتاليتارية في الأنظمة العربية الشقة بين الدولة والمجتمعات، وسرَّعت المطالبة بالدمقرطة والمجتمع المدني. وبدلاً من الانتقال من الإصلاحات التى ترعاها الدولة إلى الإصلاحات المؤسسية الكلية، فقد ظلت الدمقرطة في العالم العربي مقيَّدة بنزعات الأنظمة التوتاليتارية. وساد التيار الإسلامي في المجتمعات مع انكباح المشروعات القومية والاشتراكية ومع إخفاق مشروعات بناء الدولة العربية والشروط التي أملاها النظام العالمي الجديد. فالمثقفون العرب، الذين كانت تشكل السياسة والمؤسسات السياسية حقل اهتمامهم، نقلوا المعركة من أجل الديموقراطية إلى المجتمع المدني الذي رأى فيه العديد منهم مهمة تهدف إلى عملية لاتسييس (إزالة للسياسة (depoliticization.
وقد أعادت الليبرالية الاقتصادية -التي ترافقت مع أفْهَمَة المجتمع المدني الليبرالية- والاتجاهات التوتاليتارية ضمن كل نظام عربي، طَرْحَ مفهوم المجتمع المدني الذي يتضمن مباشرة مسألة دور الدولة وتفُّحصه. والمقاطع التالية تحاول اكتشاف الطريق الذي أُدمج المفهوم عبره في الخطاب الفكري العربي.


II. المجتمع المدني في التيارات الفكرية

1. المجتمع المدني في الفكر الليبرالي

في المقاطع السابقة رأينا كيف تطور مفهوم المجتمع المدني وكيف تشكَّل في عصر التنوير بالتحديد، وكيف بات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعقد الاجتماعي وبالمُواطَنة وبالديموقراطية. ومع أحداث الثورة الصناعية، نظرت مدرسة الفكر الليبرالي، مع ذلك، في السوق بوصفه مستوى جديداً بين المجال العام (الدولة) وبين المجال الخاص (العائلة). وقد نوقش أنَّ إدماج مفهوم المجتمع المدني عربياً تبنَّى تعريف المجتمع المدني الليبرالي.
سيبيِّن المقطع التالي أنه على الرغم من أنَّ الرؤية الليبرالية اعتُمِدَت على نحوٍ واسع في الخطابات الفكرية العربية، بيد أنَّها تتضمن تأويلات متابينة ومتنوعة. والواقع أنه حتى في الفكر الليبرالي كانت هناك اختلافات في تحديد وزن وأهمية كل عنصر مكوِّن من عناصر الفكر الليبرالي: المجال الخاص، المجال العام، السوق. ومن خلال دراسة الرؤى الرئيسية الثلاث ضمن المدرسة الليبرالية والمواقف الفكرية العربية حيال البُنى التقليدية والمجتمع السياسي والسوق، سيُعمَد إلى توضيح هذه النقطة.

أ. الرؤيتان التحديثية والسياسية
تضرب جذور الإيديولوجيا الليبرالية وتأويلها للمجتمع المدني –كما رأينا- في الحداثة وفي زوال "النظام القديم". والواقع أنَّ العديد من الكتاب يفهمون المجتمع المدني بهذه الروحية. فهذا الأخير، ووفقاً لتلك الرؤية، على علاقة متوترة بالبُنى الاجتماعية التقليدية (الدين، الإتنية، القبيلة والعشيرة، إلخ..)، فضلاً عن أنه يعزِّز التطوعية والزمنية (أو المدنية، عكس الروحية: secular- المترجم) والولاءات المتحقِّقة للعملية السياسية، بما في ذلك الأحزاب والنقابات.
إنَّ الرؤية التحديثية –كما أورد م. ك. السيد- تعتبر أنَّ المجتمع المدني غائب في المجتمعات ذات التقسيمات الطبقية التي تعود إلى زمن قريب، والتي ما تزال تظلَّلها الولاءات الإتنية والقبلية (السيد، 1995: 141). وهذه الرؤية ترى في صعود المجتمع المدني معارضة للبُنى التقليدية. كما يمكن للمرء أيضاً أن يقرأ مقترحات تتمحور حول عملية التطور من مجتمع "تقليدي" إلى مجتمع "طبقي". وفي مقابل البُنى التقليدية ترى وجهة النظر هذه أنَّ المجتمع المدني "يقوم أيضاً على أرضية السوق الاقتصادية الحرة ومطلب البرجوازية بالتمايز السياسي عن الدولة" (Norton, 1995: 8). وهذا التصور يذكرنا بالنقاشات التي دارت حول المجتمع المدني والحداثة وتطور المجتمعات الإيجابي.
وبالإضافة إلى رفض البُنى الاجتماعية التقليدية في تحديدها المجتمع المدني، تعتبر هذه الرؤية هذا المجتمع "خليطاً من الجمعيات والنوادي ونقابات الصناعيين والتجار والنقابات الأخرى والاتحادات والأحزاب والمجموعات التي تجتمع مع بعضها لتشكِّل منطقة عازلة بين الدولة والمواطن" (Norton, 1995: 7). وهذه الرؤية تقدم، إذن، صورة أو نسخة للمجتمع المدني حيث تحكم المجتمع البُنى الحديثة المُحَقَّقة (كالجمعيات والأحزاب السياسية والاتحادات النقابية، إلخ...) في مواجهة البُنى التقليدية (كالقبيلة والإتنية والمجموعات الدينية، إلخ...)

ب. الرؤية التحديثية واللاسياسية
يُدافع الكتاب الذين اعتمدوا الحداثة في تعريفهم المجتمع المدني، في مواجهة البُنى الاجتماعية التقليدية، عن الرؤية التحديثية اللاسياسية. كما تفصل هذه الرؤية أيضاً المجتمع المدني عن العملية السياسية، وبشكل رئيسي عن دور الدولة والأحزاب السياسية. وفي سياق تحرِّي العلاقة بين المجتمع المدني العربي وبين عملية التطور في العالم العربي، حافظت شهيدة الباز بشكل واضح على هذه الرؤية في موقفها أولاً تجاه الدولة، وثانياً تجاه البُنى التقليدية.
لقد صُوِّرت العلاقة بين كلٍّ من الدولة والمجتمع المدني العربي في تعريف الباز للمجتمع المدني، الذي هو تعبئة الجماهير في منظمات قوية نافذة تشكِّل أساس الخدمة أو الخدمات التأييدية أو الإنتاجية، والعمل في اتجاه زيادة وعي التطور (التنمية). والتعبئة مطلوبة من المجتمع المدني، لأنَّ تعبئة الدولة على المستوى الوطني تتَّسم بالضحالة بوجه عام، ولا ترقى إلى مستوى تغيير القيم الثقافية الشعبية التي تعرقل التنمية، ولأنَّ المجتمع المدني أكثر قدرة على ترجمة الحاجات المحلية إلى أهداف وخطط عمل، وخصوصاً تلك الأوثق ارتباطاً بالمجموعات المحلية والحركات الاجتماعية والأقرب منها (الباز، 1998: 5).
يثير هذا التعريف للمجتمع المدني في علاقته بالدولة تضميناتٍ خطيرة. وبإعلان "ضحالة" تعبئة الدولة، تقترح الكاتبة، بالتالي، أنَّ المجتمع المدني أقدر من الدولة، إن لم يكن أقوى منها، وأنَّ التعبئة يجب أن تحدث دون تنسيق مع الدولة. وهذا يضع الدولة خارج عملية التنمية، بل في مواجهتها على الأغلب.
وبطابعه التحديثي يقرر هذا التعريف أيضاً أنَّ القيم الثقافية الشعبية تعرقل التنمية. ولكنَّ هذه الرؤية البالغة من حيث حداثيتها ووضعيتها لا تفسِّر كيف تقف البُنى التقليدية (وقيمها الثقافية) حجر عثرة في طريق التنمية، بل كيف ينبغي تغييرها ووفق أي نموذج؟

ج. الرؤية اللاسياسية
ناقشت المقاطع السابقة الرؤى الليبرالية المختلفة التي تحدِّث فهم البُنى التقليدية وتقويضها دور الدولة في ما يتعلق بالمجتمع المدني والعملية التنموية ككل. وثمَّة نوع جديد لإطار العمل الليبرالي في فهم المجتمع المدني الناشئ في خطاب المنظمات والمؤسسات الدولية، الذي تبناه العديد من منظمات المجتمع المدني العربي العاملة عن كثب مع المنظمات الدولية. وهذا الخطاب يعيد إلى الذاكرة البُنى الاجتماعية التقليدية ويقلِّل من شأن دور الدولة والأحزاب السياسية ويُدخِل المجتمع المدني في عولمة السوق وسلطان القطاع الخاص.
هذا، ويعتقد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أنَّ منظمات المجتمع المدني (CSO) تشمل: منظمات المجتمعات المحلية (community based org.) ومنظمة حقوق المرأة والمجموعات البيئية ومراكز البحث الفكري والتكتلات الدينية والحركات الشعبية الأهلية (indigenous people's movements) .
يشمل هذا التعريف للمجتمع المدني البُنى الاجتماعية التقليدية (منظمات المجتمعات المحلية) والمجموعات الدينية والإتنيات (الحركات الشعبية الأهلية)، وتربطه علاقة متوتِّرة بالتصوُّر الحداثي للمجتمع المدني الذي يرى في هذه البُنى التقليدية عرقلة للعملية التنموية (الباز، 1995: 5).
ويبدو أنَّ هذه الرؤية تستثني مع ذلك الأحزاب السياسية والنقابات المهنية باعتبارها لاعبين حيويين في المجتمع المدني. وعلى الرغم من ذلم، فهذا الاستثناء ليس مصادفةً، بل إنه مرتبط فعلاً ببخس دور الدولة في العملية التنموية على نحو أوسع.
"لقد تعاملت الأمم المتحدة فيما مضى مع الحكومات فقط. ولكننا الآن نعرف أنَّ السلام والازدهار لا يمكن تحقيقهما دون عقد شراكات تضم الحكومات والمنظمات الدولية ودوائر الأعمال والمجتمع المدني إنَّنا ففي عالم اليوم نعتمد على بعضنا" [3] .
وبحسب هذه الرؤية تصبح الدولة لاعباً كأيٍّ من اللاعبين الآخرين في العملية التنموية، حيث يشكِّل القطاع الخاص (أي السوق) مساهماً أساسياً في المجتمع المدني. كما أنَّه تُشجَّع المجموعات التقليدية أيضاً للمشاركة في المجتمع المذكور على حساب النقابات المهنية والأحزاب السياسية.

2. المجتمع المدني في البُنى التقليدية

إنَّ الإيديولوجيا الليبرالية التي تقلِّل من أهمية دور الدولة وترى إلى المجتمع المدني بوصفه "حديثاً" أو هو ضد البُنى الاجتماعية التقليدية، ناقشها العديد من المثقفين العرب. وهذا المقطع يناقش مواقف المفكِّرين الذين يرون في البُنى الاجتماعية التقليدية الراهنة بُنىً عريقة الوجود (القبائل والعشائر والمجموعات الدينية والإتنية) تعبيراً عن المجتمع المدني.
اتَّسمت الرؤية الليبرالية التحديثية بالإشكالية على المستويين الميتودولوجي والمفاهيمي في استيراد المفاهيم، التي تتحدَّد بلحظات جغرافية وزمنية نوعية خاصة، ومحاولة البحث عن جذور لها في المجتمعات العربية. فتعريف المجتمع المدني بالمنظمات التطوُّعية والنقابات والجمعيات المهنية ومجموعات حقوق الأقليات هو تعريف محدود، ذلك أنَّ عدد هذه المجموعات والجمعيات قليل في العالم العربي، أو هي على الأقل لا تمثِّل البُنى الاجتماعية الموجودة. وإذا جرى تبنِّي هذا التعريف الحداثي فقد يؤدِّي ذلك إلى استنتاج أنَّ المجتمع المدني في العالم العربي هو على الأغلب غير موجود.
وهذه بالتحديد هي الحجة التي دفعت بالمثقفين إلى إعادة النظر في المجتمع المدني ووضعه في سياق التراث الاجتماعي العربي. والواقع أن بعض الكتاب يعتقدون بأنَّه يجب التركيز على المجموعات الاجتماعية التقليدية (العائلية، القبلية، الدينية، إلخ...) التي تؤدِّي الوظيفة نفسها التي للمجتمع المدني في العالم العربي. وهذا سيؤكِّد على منظومة أوسع من المنظمات التي تؤلِّف رباطاً مع الدولة، وهو ما لن يكون مقبولاً على وجهٍ آخر (Schwedler, 1995: 16).
لقد أيَّد "السيد" وجود بديلٍ من المجتمع المدني، كما فهمته الرؤية الحداثية، حيث إنَّ المجتمعات العربية لم تعرف تشكيلات مدنية معادلة فحسب، بل عاشت من خلالها. فالأفراد عوَّلوا على هذه التشكيلات [التقليدية] لهويتها وبسبب حاجاتهم الأساسية على الأغلب، وقد عزلتهم عن التعاطي المباشر مع السلطة السياسية (السيد، 1995: 32).
هذه الرؤية لا ترى، إذن، بدائل من الرؤية الحداثية إلى المجتمع المدني فحسب، بل تؤمن أيضاً بأنَّ هذا المجتمع، بكل ما يتضمَّنه من مؤسَّسات قبلية ودينية وإتنية، كان دائماً موجوداً في المجتمعات العربية حيث شكَّل جزءاً أساسياً منها.
وقد طوَّر هذه الرؤية برهان غليون (1991: 740) في نقده تعريف المجتمع المدني الحداثي المستورد، ليحتجَّ بالقول إنَّ التطور لا يستتبع الاستعاضة عن بنية بأخرى؛ بل إنه يتطلب بدلاً من ذلك اكتشاف وقائع جديدة في البُنى الموجودة أصلاً. وبالنسبة إليه يجب أن تزوِّدنا الحداثة بأدوات مفاهيمية حديثة تمكِّن من شمول البُنى التقليدية ضمن أيِّ فهمٍ للمجتمع المدني.
ويؤكِّد غليون، علاوة على ذلك، أنَّه ليس في الإمكان تصوُّر نشوء الدولة العربية الإسلامية الأولى دون وجود البُنى التقليدية (القبائل ونظامها القِيَمي)، التي استخدمها الإسلام ليبنيَ دولة مركزية جديدة قامت على أساس إيديولوجي. كما يعتقد أنَّه ليس ثمَّة تناقض بين دولة الأمة وبين البُنى الاجتماعية، مجادلاً بالقول إنَّ الدولة لا تحتاج إلى إلغاء البُنى التقليدية، بل إلى جمعها تحت منطقٍ جديدٍ، وهذا هو الدولة الوطنية (أو القومية)؛ ذلك أنها تحتاج إلى جمع التناقضات الموروثة في البُنى التقليدية وعقلنتها. وبهذا المعنى، فإنَّ البُنى التقليدية الموجودة التي تكوِّن المجتمع المدني تسهم في بناء دولة الأمة الحديثة، وإنَّ الدولة نفسها تضبط البُنى التقليدية تحت شعار وحيد هو الوحدة الوطنية (ص 740).
وهذه الرؤية المتعلقة بالمجتمع المدني تتحدَّى التفسيرين الليبرالي والحداثي للمجتمع المدني، اللذين يعتبران أنَّ البُنى التقليدية قديمة ورجعية، هذا إذا لم تعرقل العملية السياسية. وبالإضافة إلى نقدها للإيديولوجيا الحداثية تُنشئ هذه الرؤية مجتمعاً مدنياً عربياً يستطيع أن يضم البُنى التقليدية، القبلية والإتنية والدينية، إلى العملية السياسية. وبعد توضيع البُنى التقليدية في علاقتها بالدولة، فإنَّ ما تفتقر إليه هذه الرؤية مع ذلك هو الفهم الواضح لعلاقة هذه البُنى التقليدية نفسها بالقطاع الخاص والسوق. ويبقى تحليل ديناميَّة البُنى التقليدية مع السوق شرطاً لقياس نجاح نظريةٍ ما تقترح بديلاً من مفهوم المجتمع المدني الليبرالي والحداثي.


3. المجتمع المدني في التقليد الإسلامي

شكِّلت علاقة المجتمع المدني بالإسلام لجهة الإيديولوجيا والمؤسسات محور النقاشات الأكاديمية، وخصوصاً مع انتشار التيار الحداثي الليبرالي في ما يتعلق بالمجتمع المدني. لقد قدَّم المقطع السابق بديلاً من الرؤية الحداثية، باعتبار البُنى والمنظمات التقليدية مكوِّنات أساسية للمجتمع المدني. أما المقطع التالي فيلقي الضوء على النقاش الذي لا يتحدَّى تأويل المجتمع المدني الحداثي فحسب، بل يقدِّم الإسلام بوصفه حاملَ قيمِ المجتمع المدني. وسنتقصَّى على مستوىً ثانٍ الخطاب الذي يذهب إلى حدِّ القول إنَّ الإسلام نفسه شقَّ الطريق أمام مفهوم المجتمع المدني قبل أن تفعل أوروبا عصر التنوير ذلك.
وقبل تحرِّي هاتين الرؤيتين، فمن بالغ الأهمية أن نشير إلى خطاب يعتبر أنَّ الإسلام والتعاليم الإسلامية تعارض المجتمع المدني وتقابله على نحو مباشر. وهذا الخطاب يضع المجتمع المدني في السياق الأوروبي لمدارس الليبرالية والرأسمالية والعلمانية التي تدعو إلى الحكم المدني والأهلي (بالمعنى الزمني العلماني– secular). وفي هذا التعريف زُووِجَ أيضاً بين المجتمع المدني والديموقراطية أو مفهوم نظام التعدد الحزبي (multiparty system). وتخلص وجهة النظر الماهيَّوية (essentialist) هذه عن الإسلام إلى أنَّ المجتمع المدني نقيض للإسلام لأنَّ هذا الأخير لا ينسجم أصلاً مع الديموقراطية ويتعارض معها. وبالنسبة إلى كتَّاب مثل "برنار لوي" (Bernard Lewis):
"لا تعرف الشريعة الإسلامية مجموعة أشخاص متحدين ضمن مؤسسة قانونية،؛ والتاريخ الإسلامي يبيِّن أنه لم توجد مجالس أو عاميات (communes) ولا مجامع (synods) أو برلمانات ولا أي ضرب من ضروب تجمع منتخب أو تمثيلي. ومن المثير أن القضاة لم يقبلوا قط مبدأ قرار الأغلبية. المسألة كلها لم تكن مطروحة، كون الحاجة إلى أي تدبير لقرار جماعي مشترك لم تبرز على الإطلاق. وفي السماء كان هناك رب واحد وحيد؛ لم يكن هناك محكمة بل قاض وحيد، لم يكن هناك دولة بل حاكم وحيد (1994: 45-46).
وعلى الخط نفسه يسير "إيلي كيدوري" (Elie Kedourie):
"ثمَّة ارتباك في الضمير (mind) العربي العام على الأقل في معنى الديموقراطية. وهذا الارتباك مفهوم مع ذلك، حيث إنَّ فكرة الديموقراطية غريبة تماماً عن فكر الإسلام" (1994: 1).
إنَّ هذه الرؤية الباحثة عن فهم معاصر للديموقراطية ومؤسساتها الديموقراطية الحديثة في الإسلام تقدِّم صورة متجهِّمة عن العلاقة التي تربط بين الإسلام والديموقراطية، وبالتالي بالمجتمع المدني. وما هو مهم تذكُّره على هذا المستوى هو أنَّ هذه الرؤية التي تعلن تناقض الإسلام والمجتمع المدني تتوافق –دونما إرادة منها- والتيار الأصولي الإسلامي الذي يرى في أيِّ محاولة لتوسُّل التعدُّدية الاجتماعية والسياسية تحدِّياً للقانون الإلهي، الأمر الذي يُعتبر تجديفاً [4] .
إن الكتاب، التالين أدناه، في بنائهم مفهوم المجتمع المدني في علاقته مع الإسلام هم بالتحديد ضد هاتين الرؤيتين. فهذا الفهم للمجتمع المدني يرى في الإسلام حاملاً لقيم هذا المجتمع، إن لم يكن هو مُوجِدَها.
لقد جرى تصوُّر علاقة الإسلام بالديموقراطية باعتبارها علاقة إيجابية؛ حيث إنَّ الحرية السياسية هي القاعدة الأولى التي تمثِّل مبدأ الشورى في الإسلام؛ ذلك أنَّ على مَن يملك السلطة الإصغاء لصوت الناس. والحرية السياسية تتحقق من أنَّه يمكن للأقليات أن تحظى بالإرادة السياسية وللمعارضة أن تعبِّر عن نفسها. وبكلام آخر، إنَّ الإسلام هو أول دين أكَّد على حرية الاعتقاد وعمل على مراقبتها وحمايتها (الصبيحي، 2000: 44).
وبالإضافة إلى الديموقراطية، يختار بعض الكتاب التأكيد على قيم العقد الاجتماعي الموروثة في التعاليم الإسلامية. والواقع أنَّ هذه الرؤية طُوِّرت على أيدي علماء، كالصبيحي (2000: 49) وموصللي (1991: 995) ، يعتقدون أنَّ عقد النبي الاجتماعي سبق عقد "روسو"، حيث إنَّ الصحيفة التي هي أول نص سياسي يؤكِّد على حقوق المسلم وواجباته ويعلن حماية أهل الكتاب (المسيحيين واليهود)، تعتبر الدستور الإسلامي الأول.
وعلاوة على ذلك، فقد سُمِّيَ المجتمع الإسلامي الأول الذي استقر في "المدينة" مجتمعاً مدنياً مع كون كلمة "مدني" هنا تشير إلى تأسيس المدينة التي تكوَّنت من شرائح المسلمين المتحالفة على أسس قبلية وجغرافية. وكما يذهب إليه الموصللي، فإنَّ المجتمع الإسلامي يشمل كل أنواع تكتُّلات المجتمعات والزعامات حيث شكَّل المسجد مركزاً ثقافياً وقامت مؤسسات الأوقاف المستقلة على أساس التبرُّع.
كلتا الرؤيتين –الماهيَّوية والإسلامية- إشكاليتان في محاولة لاستيراد مفاهيم أجنبية والبحث عن وجودها في التاريخ. وسنعمد في المقاطع التالية إلى تقصِّي هذه الميتودولوجيا وتضميناتها بالتفصيل.


III . تضمينات النقاش في صدد المجتمع المدني

استنتج المقطع الأول من هذه الورقة أنَّ مفهوم المجتمع المدني ارتبط ارتباطاً وثيقاً بأوروبا عصر التنوير والثورة الصناعية. وقد بُيِّن أنه على الرغم من حقيقة التقاء الماركسية والليبرالية من حيث تقييمُهما للمجتمع المدني ونشوؤه تاريخياً، إلا أنَّهما مع ذلك يختلفان اختلافاً كبيراً في تأويلهما دورَ كلِّ عنصرٍ مكوِّنٍ من عناصر هذا المجتمع.
إنَّ إدماج النقاش الدائر حول المجتمع المدني في الخطاب الفكري العربي كان أيضاً أمراً مُجمَعاً عليه؛ ولكنَّه تطوَّر في تمحوره حول ثلاثة خطابات رئيسية: الخطاب الليبرالي والخطاب التقليدي والخطاب الإسلامي. وقد نشأت هذه الخطابات في الاستجابة بعضها لبعض، رداً على فعل، وغالباً من موقع التعارض. فقد فرز تقييم المجتمع المدني أو فهمه عربياً خمس نقاط أساسية للصراع تمحور حولها بناء مختلف الرؤى.
والمقاطع التالية تجمع كل ما قيل عن الدولة والديموقراطية والإسلام والبُنى الاجتماعية التقليدية في فهم المجتمع المدني العربي. والنقاش التالي يحدِّد الأسئلة التي انبثقت ويحسن الإجابة عليها لدى النظر في المجتمع المدني بالعالم العربي في الوقت الراهن.


1. الدولة

يلقي النقاش حول المجتمع المدني والدولة الضوء على دور هذه الأخيرة في عملية التنمية وعلى العلاقات في ما بين الدولة والمجتمع المدني. لقد عالجت الإيديولوجيا الليبرالية دور الدولة في عملية التنمية، وهي التي تؤمن بعدم تدخُّليتها. فالدولة وفق هذه الرؤية يجب أن توفر فقط الأمن التشريعي والإداري لديناميَّة السوق، كيما تتمكن من القيام بوظيفتها. ووفق الرؤية الليبرالية الراهنة يعتبر دور الدولة العربية التعبوي الاجتماعي ضحلاً وغير قادرٍ على منافسة قوة المجتمع المدني الذي تضرب جذوره عميقاً في البُنى الاجتماعية على نحوٍ نموذجي (الباز، 1998: 5). إنَّ الفكر الليبرالي المعاصر (كما اقترحت الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي)، يقلِّص دور الدولة ويجعله كأدوار اللاعبين الآخرين (الاجتماعية، الإتنية، الجندر، البيئية، إلخ...) في عملية التنمية.
وتتعزَّز هذه الرؤية وتثبت برؤية أخرى ترى في علاقة الدولة-المجتمع المدني علاقة صراعية إن لم تكن علاقة تمانع مشترك (mutual exclusivity). ومردُّ هذا إلى طبيعة الدولة العربية القوية النافذة التي تحاول التسلُّل إلى المجتمع المدني لاكتساب الشرعية. وقد أفضى ذلك إلى تدمير المجتمع المدني وتعزُّز الأنظمة التوتاليتارية العربية. إنَّ قوة الدولة العربية الواضحة تعكس الضعف البنيوي، لأنَّ وجود الدولة الكلي (omnipresence)، في سياقٍ تراجعي (backward)، من غير المرجَّح أن يشكل دليلاً واقعياً على قوتها (الصبيحي، 2000: 111).
وكما رأينا، تعتبر الرؤية الأولى أنَّ للدولة دوراً حيوياً كما هو الأمر بالنسبة إلى العلاقة بالمجتمع، في حين أنَّ الرؤية الثانية ترى هذه العلاقة صراعيةً نظراً لقوة الدولة. أما المقاربة البديلة فيبدو أنَّها تستطلع الخطاب نفسه القائل بوجود مثل هذا التمايز وتستكشف بُنى السلطة المطوَّقة بفكرة استقلال المجتمع المدني الذاتي عن الدولة. وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض الكتاب العلاقة بين كلٍّ من الدولة والمجتمع المدني علاقة صراعية، يعتقد كتاب آخرون أنَّه لا معنى للكلام على المجتمع المدني في غياب الدولة (Norton, 1995: 11-12) . وتقترح هذه الرؤية علاقة قبول مشترك بين الدولة والمجتمع المدني، حيث يجب أن يتحدَّد الحيز المشترك بينهما بالتعاون وليس بالصراع.


2. الديموقراطية

أثار دور المجتمع المدني في المجتمعات العربية وعلاقته بالدول العربية النقاش حول الديموقراطية. وقد طورت عدة رؤى العلاقة بين كلٍّ من المجتمع المدني والديموقراطية.
تؤمن الرؤية الأولى بأنَّ المجتمع المدني عنصر ضروري لبناء الديموقراطية. وتبرير تلك العلاقة مستمد من الاعتقاد بكون المجتمع المدني يشكل جزءاً متكاملاً من المؤسسات الديموقراطية. والمجتمع المدني ينطوي بشكل معياري (normatively) –كما يقول إبراهيم- على قيم التسامح ورموزه السلوكية -هذا إن لم يقبل "الآخرين" المختلفين- والتزامٍ صامت أو ضمني بإدارة الاختلافات سلمياً بين الأفراد والمجموعات الذين يتشاركون المجال العام نفسه، أي الكينونة الساسية (polity) (إبراهيم، 1995: 28). ووفق هذه الرؤية، فإنَّ مكوِّنات الديموقراطية المعيارية (normative components) تشابه تلك التي للمجتمع المدني.
ولا يتشارك المجتمع المدني والديموقراطية وحدهما الأرضية المتشابهة فحسب، بل يشكِّل المجتمع المدني، وفق هذه الرؤية، أيضاً شرطاً مسبقاً للعملية الديموقراطية كونه وُجد في التشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية الحديثة التي أوجدت منظمات مجتمعها المدني، المناضلة بدورها للوصول إلى حكم الشراكة (participatory governance) (إبراهيم، 31). فالمجتمع المدني بحسب تلك الرؤية وُجد على خلفية بُنى اقتصادية-اجتماعية أسهمت في خلق الديموقراطية ومؤازرتها (الباز، 1998: 23).
وفيما تعتقد الرؤية السابقة بأنَّ المجتمع المدني شرط ضروري لبناء الديموقراطية، تدافع رؤية أخرى عن الديموقراطية باعتبارها الشرط الضروري لبناء المجتمع المدني. وبالفعل، فقد بدأ المجتمع المدني بالظهور مجدَّداً عندما أعربت الحكومة عن إرادتها بالسماح بحيِّز لبعض إصلاحٍ وتبارٍ سياسيين محدودين، وهذا سيبني في آخر الأمر تحديداً شعبياً واسعاً مع عملية الدمقرطة، وسيشق الطريق بالتالي أمام الديموقراطية. والديموقراطية نفسها، مع ذلك، يمكن أن تعمَّق بتطور المجتمع المدني (Schwedler, 1995).
لقد فُهِمَت العلاقة بين المجتمع المدني والديموقراطية على أنها ضرورية، أكان يؤدي طريق المجتمع المدني إلى الديموقراطية أم العكس. والرؤية التالية تقدِّم تقييماً مختلفاً في ما يتعلق بهذه العلاقة، بحيث إنَّ المجتمع المدني ليس كافياً للعملية الديموقراطية.
فبحسب "نورتون" يقع عمل المجتمع المدني ووظيفيته في قلب الديموقراطية. وهكذا، فهو ضروري ولكنه ليس كافياً. ويحتجُّ "نورتون" في ذلك بأنَّ جهاز الدولة يحتاج للتأكد من أنَّ أعضاء المجتمع المدني يتصرَّفون على نحوٍ مسؤول يكفل "المدنية" (civility)، وإذا لم يكن الأمر كذلك فستضطلع الحكومة بدور الضابط أو الوسيط، وإلا فستكون الفوضى على الأرجح هي النتيجة" (12- 13). وضمن الرؤية نفسها يقول "شويدلر" إنَّ الأصوات المتباينة النابعة من المجتمع المدني يجب أن تساعد في صياغة سياسة الدولة، في حين أنَّ الدولة تعمل كإداري وضابط لضمان لعبة عادلة (20). فعلى الدولة إذاً العمل على تحرير المؤسسات والقوانين لشمول المجتمع المدني في عملية المشاركة. ولكن شمول هذا المجتمع لا يؤدِّي بالضرورة إلى الديموقراطية، كونه (أي المجتمع المدني) يمكن أن يظل متمانعاً وغير ممثِّل للطبقة والجندر والانقسامات العرقية. ويجادل "هودسون" (Hudson) بالقول إنَّ "انفتاح الدولة والنظام المقتصر على جمهور الشريحة العليا الصغيرة من الطبقة الوسطى قد يكون متراجعاً وفق معايير التكافؤ وإعادة التوزيع" (Schwedler, 1995: 21).


3. الإسلام

حُدِّد المجتمع المدني كما تطوَّر في أوروبا بحسب القيم المدنية (secular values) والعقد الاجتماعي في عصر التنوير وبمعارضة النظام الإكليركي الذي كان سائداً آنذاك. وتكييف المجتمع المدني في العالم العربي أدخل الإسلام في النقاش حول توافقيتهما مع بعض. لقد رُبِطت علاقة المجتمع المدني والإسلام بالنقاش عن الديموقراطية في العالم العربي.
والرؤية الأولى تستبعد أن يكون الإسلام جزءاً من المجتمع المدني، أولاً بسبب طابعه اللاديموقراطي المفترض، "لأنَّّ ثمَّة تشوُّشاً عميقاً في الضمير الشعبي العربي على الأقل في ما يتعلق بمعنى الديموقراطية"، حيث إنَّ "هذا التشوُّش مفهوم مع ذلك، كون فكرة الديموقراطية غريبة تماماً عن جملة الفكر الإسلامي" (Kedourie, 1994:1). ومن المهم التقرير مجدَّداً عند هذه النقطة أنَّ هذا الماهيَّوي وضع الإسلام بالمطلق موضع المتوتر في علاقته بالديموقراطية، كما فعل لدى تناوله علاقته بالمجتمع المدني.
أما الرؤية الثانية فلا توافق الرؤية الماهيَّوية حيال الإسلام، وتعتبر المنظمات الإسلامية في تبايناتها واختلافاتها متوافقة مع المجتمع المدني، ولكنها توافقية مشروطة. والواقع أنَّ "المشاركة -بالنسبة إلى "نورتون" و"كازِمي"- في العمليات السياسية الديموقراطية والتعايش السلمي مع أولئك الذين يحملون آراء مغايرة هما شرطان كافيان لاعتبار أيِّ منظمة، سواء أكانت إسلامية أم غير ذلك، جزءاً قيِّماً من المجتمع المدني" (Schwedler, 1995: 15). وتفترض هذه الرؤية أنَّ الإسلام ليس جزءاً بديهياً من المجتمع المدني، بل يمكنه أن يكون جزءاً منه إذا التزم قواعد المجتمع المدني القاضية باحترام المشاركة والعملية الديموقراطية. فعلى المجموعات الإسلامية، أن تلتزم، إذن، قيم المجتمع المدني الديموقراطية كيما تُعتبر أعضاء متكافئة ومتلائمة.
والفهم الماهيَّوي يعتقد بطبيعة الإسلام اللاديموقراطية، في حين أنَّ الفهم المعتدل نسبياً يضع شروطاً أمامه لكي يُشمَلَ في المجتمع المدني ويُضمَّ إليه. وفي ردٍّ على هاتين الرؤيتين أنشأ العديد من الكتاب الإسلاميين رؤية للإسلام لا ترى فيه حامل قيم ديموقراطية وحسب، بل ترى إليه بوصفه موجِداً للمجتمع المدني حتى قبل تطوره في أوروبا. وقد فُصِّلت هذه المسألة في المقطع الذي تناول علاقة المجتمع المدني بالديموقراطية.


4. البُنى الاجتماعية التقليدية

طرح تبنِّي المجتمع المدني في الخطاب الفكري العربي أسئلة حول دور البُنى التقليدية (العشائر، القبائل، المنظمات الدينية، الإتنيات، إلخ...) في تشكيل المجتمع المدني. لقد طوَّر النقاش في صدد المجتمع المدني العربي رؤيتين رئيسيتين في ما يتعلق بالبنى الاجتماعية التقليدية.
ترى الرؤية الأولى في البُنى التقليدية عقبة في وجه بناء المجتمع المدني؛ وهذا يعود إلى طابعها المفترض المتناقض مع الدولة. فالبنى التقليدية تعتبر رجعية ومعوِّقة للمساواة الاجتماعية وتقف حجر عثرة في طريق بُنى الدولة التي تعامل جميع المواطنين بالتساوي. وفي حين أنَّ البُنى التقليدية تسبق بناء المجتمع المدني، فهي تشكل عقبة في وجهها (الصبيحي، 2000: 93). فالمجتمع المدني ليس إذن مجتمعاً من حيث بُناه التقليدية الموروثة، بل هو مجتمع متمرد على بُناه التقليدية وثائر عليها.
وفي مناقشة دور البُنى التقليدية في تطور المجتمع المدني سعى العديد من الكتاب إلى تبنِّي فهم البُنى التقليدية على نحو أشمل، حيث يمكنها –كما يمكن للمجموعات الدينية- أن تسهم في المجتمع المدني. إنَّ شمول البُنى التقليدية ضمن المجتمع المدني جاء –بالنسبة إلى العديد من الكتاب- ردَّ فعلٍ حيال أصول المجتمع المدني وطابعه الأوروبي. فقد ثار بالتالي الانتباه حول المجوعات التقليدية العربية المؤدِّية الدور نفسه الذي تضطلع به النقابات والأحزاب والجمعيات المهنية في أوروبا. فالبُنى التقليدية هي جزء من المجتمع المدني طالما هي تقيم رباطاً مع الدولة أو تشكِّل وسيطاً بين المجالين الخاص والعام. فالشرط يكمن، إذن، في طابع البُنى التقليدية التمثيلي وقدرتها على التوسًّط مع الدولة.
وثمَّ كتاب آخرون شاؤوا أن يشمل المجتمع المدني البُنى التقليدية، فوضعوا جملة شروط مختلفة. والشرط الموضوع يشبه كثيراً ذاك الذي للمنظمات الإسلامية، ألا وهو المشاركة في العملية الديموقراطية وقبولها. وبالنسبة إلى إبراهيم فطالما أنَّ الجمعيات والروابط التقليدية تقبل مبدأ التعدُّدية وتتقيَّد باليسير من الكياسة المدنية حيال "الآخر المختلف"، يمكنها عندئذٍ أن تكون جزءاً من المجتمع المدني (1995: 52). فهذه الرؤية تعتبر البُنى التقليدية عضواً في المجتمع المدني بشرطٍ وحيدٍ يقوم في تبنِّي قيم المجتمع المدني بالتسامح والمشاركة.
والنقاش حول شمول المجتمع المدني البُنى التقليدية إما أن يقيد من شمولها ضمنه، وإما أنه يعتقد بوجوب شمول المجتمع المدني في العالم العربي البُنى التقليدية. وهاتان الرؤيتان، وفق ما يراه بشارة (2000: 13)، مخطئتان لأنهما تثبِّتان المجتمع العربي في تحديد واحد أخفق في رؤية التآثر (interaction) بين أعضائه وفي فهم أدوار البُنى التقليدية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.


5. العولمة

لقد رأينا عبر هذه الورقة كيف أنَّ مفهوم المجتمع المدني نشأ في أوروبا إبَّان الثورة الصناعية. وقد تميَّز المجتمع المدني بالمفهوم والواقع تاريخياً عن الدولة، مع بعض التباينات بحسب المدارس الفكرية المختلفة التي ترى فيه عنصراً حيوياً من عناصر بناء الدولة والمؤسسات الدييموقراطية. وما يتَّسم بأهمية كبيرة بالنسبة إلى هذه الورقة هو الملاحظة أنَّ الحداثة الأوروبية كرَّست العلاقة بين مفهوم المجتمع المدني وبين الدولة الليبرالية بوصفهما إطاري عمل لمعادلة ليبرالية وحيدة.
وهذه المعادلة تتَّسم بالإشكالية حول تطور العولمة، بالنسبة إلى كتَّابٍ مثل الصوراني. والواقع أنَّ إقامة معادلة المجتمع المدني/الدولة الليبرالية كانت أحد العوامل الحيوية في عملية التراكم الرأسمالي وتوسع رأس المال اللذين حدثا في أوروبا. وقد أدَّى توسع رأس المال هذا إلى مفهوم الدولة الليبرالية ليس في أوروبا وحسب، بل في المستعمرات الأوروبية المتخلفة كذلك. ويُحتجُّ بأنَّ جذور العولمة توجد في التراكم الرأسمال وفي توسُّع رأس المال تالياً.
وبالنسبة إلى كتَّاب كصوراني، لم يتوازَ توسُّع رأس المال الأوروبي في البلدان النامية مع توسُّع مفهوم المجتمع المدني وتضميناته الديموقراطية والتشاركية. وبدلاً من ذلك، بقي العديد من البلدان المتقدمة مقيَّداً بالبُنى التقليدية التراتبية ومحكوماً ببيروقراطيات الدولة الفاسدة (الصوراني، ص 30). وبالنسبة إليه، فإنَّ الكلام على مجتمع مدني في البلدان النامية غير قابل للتفكير فيه ولا يمكن تصوُّره، ولا سيما لأنَّ المجتمعات النامية لم تعانِ الظروف المادية التي سمحت بتطور المجتمع المدني في أوروبا؛ وأما أن تعبر هذه المجتمعات يوماً ما تلك العملية فهذا موضع تساؤل كبير.
ومع أنَّ هذه الرؤية تعبِّر عن العديد من التيارات المعادية للعولمة في العالم العربي، إلا أنها تظل هامشية. فالواقع أنَّه في الوقت الذي يتحدَّى فيه عدد من المفكرين العولمة بطابعها الليبرالي من حيث توسعها الرأسمالي، تظل وسائل التحدِّي جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المدني ومن مكتسبات العولمة. وبكلام آخر، في حين يتشابه نقد العولمة فإنَّ معظم لاعبي المجتمع المدني يلجأون إلى الطرق الليبرالية لتلقِّي الرسائل. وهذا يقدِّم للمقطع التالي الذي يطرح مسألة دور الوكالات الدولية في المجتمعات المدنية المحلية.


6. الوكالات المانحة الدولية

يتَّسم دور الوكالات المانحة الدولية، سواء أكان مستقلاً أم مَرعِياً من قبل دولة، بالأهمية في النقاشات التي تتصدَّى للمجتمع المدني. وسينظر هذا المقطع في إشكالية الوكالات الدولية لدى مناقشتنا مسألة المجتمع المدني. ونود في هذه الورقة أن نلقي الضوء على ثلاث نقاط بالغة الأهمية في ديناميَّة الوكالات المانحة الدولية والمجتمعات المدنية المحلية.
بنت الوكالات المانحة الدولية في البلدان النامية عبر شركائها في المجتمع المدني المحلي علاقات على رغم أنها تبدو متكافئة، فهي في الحقيقة قامت عل أساس علاقة المُحسِن/المستفيد الواضحة، المطوَّقة بعلاقات السلطة والنفوذ. وعبر هذه العلاقة حاولت الوكالات المانحة الدولية تكريس القيم القائمة على "الشراكة" و"الشفافية" و"المشاركة" وأهم من ذلك الديموقراطية في علاقتها مع المجتمعات المدنية المحلية. ويطرح بعض الكتاب، كالصوراني مثلاً، اعتراضات جدية في ما يتعلق بأصالة هذه الأوضاع وصحتها. وفيما تبني المنظمات الدولية علاقات ديموقراطية مع شركائها المحليين، فهي مع ذلك تقبل الشروط والظروف التي تفرضها عليها الدولة المركزية في البلد الذي تعمل فيه. وبكلام آخر، بتعاونها مع الدولة يبدو أنَّ المنظمات الدولية تعطي الشرعية للدولة وبيروقراطيتها التي عليها، بعد، أن تكتسب الشرعية وأن تبني الديموقراطية (ص 31).
ويكمن الموروث الإشكالي الآخر في علاقة الوكالات المانحة الدولية مع المجتمعات المدنية المحلية في قوة المانحين الدوليين المالية المتنامية في البلدان التي تنشط فيها. ويتوازى هذا مع نفوذ سياسيٍّ متنامٍ في بلدانها الأم، حيث تكوِّن مجموعات ضغط هائلة على حكوماتهم. إنَّ أثر هذه الحقيقة على المجتمع المدني العربي هو أنَّ قوة ضغوط الوكالات الدولية على حكوماتها المحلية تؤدِّي عادة إلى ممارسة الحكومات الضغط الديبلوماسي على البلدان النامية. ومن الأمثلة على ذلك نوع الضغوط السياسية التي تتلقاها البلدان العربية في حالات انتهاك حقوق الإنسان.
ويبدو ذلك أنه ممارسة حميدة للنفوذ الدولي حيث إنَّ الأهداف مرشَّحة أن تعمل في اتجاه بناء قيم ديموقراطية. والواقع أنَّ لهذا تأثيرات خطيرة وسلبية على علاقة الدولة والمجتمع المدني أو بين الدولة ومواطنيها. وبالفعل، فباللجوء إلى وسائل الضغط السياسي الدولي على بلدانها يفقد نضال المواطنين شرعيته فيما هو يشجِّع التدخل الدولي. أما التأثير الجدي الآخر فهو أنَّ النضال يصبح متركزاً في حالات نوعية أو خاصة دون أن يكون قادراً على التصدِّي للإصلاحات المؤسسية الجذرية التي تطلقها المجموعات السياسية. وهذا يعطي الشرعية بصورة غير مباشرة للنظام الحاكم، الذي يبقى سبب وجوده سليماً لم يُمس.
والسؤال الأخير الذي يجب أن يطرح في معالجة دور الوكالات المانحة الدولية يكمن في مسألة محاسبتها في البلدان النامية. والواقع أنَّ وظائف الدولة التقليدية في مجال الخدمات الاجتماعية إما خضع للخصخصة أو هو قُدِّم للمنظمات الدولية التي تدين بالولاء لحكومات بلدانها فحسب. وبهذا المعنى، فإنَّ المنظمات الدولية ليست قابلة للمحاسبة أمام أحد، خلاف دافعي الضرائب في بلدانها. والمفارقة هنا تكمن في حقيقة أنَّه في الوقت الذي يمكن أن يطالَب فيه المجتمع المدني من قبل الدولة بالمحاسبة والمساءلة في الظروف المثالية، فكيف يطالِب مواطنو البلدان النامية بمحاسبة المنظمات الدولية؟


IV. تقييم المجتمع المدني في الخطاب العربي


1. "مجتمع مدني عربي" أم قومية عربية مُستعادة؟

حاول المقطع السابق أن يضع استعادة استخدام مفهوم المجتمع المدني في سياقيه الأوروبي والعربي. وقد احتُجَّ بأن استعادة المفهوم في العالم العربي سُرِّعت بسبب إخفاق إيديولجيات القومية العربية وعجز الدول العربية عن مساندة الإصلاحات الديموقراطية وتثبيتها. وكانت هناك أيضاً روابط مع التغيُّرات البنيوية العميقة التي حدثت في بلدان أوروبا الشرقية التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول الديموقراطية والمجتمع المدني.
 ويهدف هذا المقطع إلى تفكيك مفهوم "المجتمع المدني العربي" قبل الانخراط في مناقشة تأويله في مختلف الخطابات العربية. إنَّ "المجتمع المدني العربي" تعبير عام ينطوي على تجارب المجتمع المدني المختلفة من المغرب إلى عُمان. والسؤال الذي يُطرح عند هذه النقطة هو: ما المشترك بين تجارب البلدان العربية في ما يعني المجتمع المدني؟
 في الوقت الذي يشيع فيه استخدام مفهوم المجتمع المدني العربي على نحوٍ واسع، تجد قلة من الكتَّاب ضرورة لتبرير وجوده وتضميناته الاجتماعية-السياسية. في مناقشة الخصائص والمميزات المشتركة لمختلف التجارب العربية مع المجتمع المدني، يختار بعض الكتَّاب وضعَ العالم العربي ضمن سياق العالم الثالث. وما يجمع البلدان العربية مع بعضها هو بداية تجربة التخلف، وبُناها الاجتماعية المشوَّهة والتعايش الصعب بين القطاعين المنتجين التقليدي والحديث، وتأثير الاستعمار الذي تحول إلى ليبرالية اقتصادية تكرِّس السيادة الغربية. وما يجمع العالم النامي –كما يقول أبو حلاوة- الاختلاف المدهش في الوصول إلى السلطة والموارد الاقتصادية (1998: 99-102).
 تتشارك البلدان العربية، إذن، تجربة التخلف والبنى السياسية التابعة. ولكن، فيم تشترك، بعدُ، من حيث تجربة المجتمع المدني؟ إنَّ القواسم المشتركة التي تجمع تجارب البلدان العربية مع المجتمع المدني يمكن تصنيفها على المستويين التأزُّمي والبنيوي.
 على المستوى التأزُّمي فيقول بعض الكتَّاب، كالباز مثلاً، إنَّ نمو قطاع المنظمات غير الحكومية في العالم العربي مرتبط بتماسكها واندماجها في المناطق الحضرية سريعة التطور على حساب المناطق الريفية، معزِّزةً بذلك وضعية الاغتراب الريفي القائمة عن عملية التنمية. وتشير الكاتبة إلى أنَّ نصف منظمات التنمية في العالم العربي ما تزال تقوم على التبرع وليس على أساس الأهداف الإنتاجية والتنموية (1998: 13).
 وما يجمع المجتمعات العربية مع بعضها في العالم العربي مشكلات بنيوية تميِّز نشاطها. والواقع أنَّه على الرغم من العمليات الانتخابية التي يجريها معظم المنظمات غير الحكومية العربية –كما تشير الباز- تظل غير ديموقراطية وتسودها الذكورية بوجه عام. ويُعتقد أيضاً أنَّ هذه المنظمات تابعة وغير مستقلة وعلى علاقة ملتبسة ومريبة مع الدولة من جهة، ومع الوكالات المانحة من جهة أخرى. إذ يُنظر إلى هذه المنظمات على أنها أدوات في يد اقتصاد السوق لتسريع اللَّبْرَلَة الاقتصادية ومَأْسَسَة السياسات المالية الدولية محلياً. وأخيراً، تبدو العلاقة بين هذه المنظمات وبين جمهور المستفيدين أصحاب الشأن ضعيفة وغير متكافئة.
 إنَّ إعادة إعمار المجتمع المدني العربي السابقة تقوم على سلسلة من الافتراضات التي تحمل تضمينات سياسية. والافتراض الأول هو في موازنة المجتمع المدني مع المنظمات غير الحكومية. ففي حين أنَّ هذه الأخيرة عبارة عن جزء أساسي من المجتمع المدني فهي تُمانع تشكيله وتناقضه. والواقع أنه في ما يخص توضيح القواسم المشتركة بين تجارب البلدان العربية مع المجتمع المدني يفشل الكتَّاب في شمول الأحزاب السياسية والنقابات كأطراف معنية ضمن المجتمع المدني. والتحدي إذاً هو بناء مفهوم المجتمع المدني العربي بجمع التجارب العربية المختلفة في الأحزاب السياسية والاتحادات النقابية.
 يفترض مفهوم المجتمع المدني، كما رأينا آنفاً، وجود دولة يرتبط بها المجتمع المدني (حيث تتفاوت مستويات الارتباط بين مختلف المدارس الفكرية). وأما الافتراض الثاني فهو: هل يستلزم مفهوم المجتمع المدني العربي وجود "دولة عربية"؟ على الرغم من حقيقة أنَّ ولادة الدول العربية الجديدة جاءت على يد قوى الاستعمار الغربي (إبراهيم، 1995: 33)، فإنَّ تجارب الدول العربية مع الاستعمار لم تكن تشبه ذلك البتة. والواقع أنَّ الاستعمار الفرنسي في الجزائر والانتداب الإنكليزي في فلسطين والحماية البريطانية على الخليج تشترك كلها بخلفيات صغيرة. وبالإضافة إلى تركيب استعماري مختلف، أٌقيمت الدول العربية على بُنى اجتماعية وسياسية مختلفة، سواء أكانت ملكيات مطلقة أم ديموقراطيات شعبية أم جمهوريات، تتفاوت منحيث شرعياتها السياسية وحدودها الوطنية غير المستقرة. وما يهم الإشارة إليه، عند هذه النقطة، هو أنَّ افتراض وجود "الدول العربية" لا تقيِّده النقاشات حول المجتمع المدني أو تحدُّ منه، بل إنه شاع في الدراسات التي تناولت السياسة في العالم العربي.
 والافتراض الثالث في ما يتَّصل بمفهوم المجتمع المدني العربي هو في وجود "مجتمع عربي" يطوِّق "مجتمعاً مدنياً عربياً". فعلى الرغم من القواسم المشتركة الثقافية والتاريخية واللغوية، فما تزال وحدة المجتمعات العربية تحت تعبير "المجتمع العربي" الشائع مسألة قيد البحث. فهذه المجتمعات تختلف في ما بينها اختلافاً كبيراً من حيث خصائصها القبلية والطائفية والإتنية؛ فضلاً عمَّا لم تتمخَّض عنه بعد من المزيد من الاختلافات في سياق الضعف الذي أصاب إيديولوجيا القومية العربية وازدهار الولاءات الطائفية (الإتنية، الدينية، المناطقية) ومع إعادة صياغة الدول العربية تحت مظلة النظام العالمي الجديد.
 إنَّ الافتراضات الثلاثة التي نوقشت أعلاه تطرح سلسلة تضمينات ميتودولوجية في دراسة المجتمع المدني العربي ومن ثَمَّ النتائج والعواقب النظرية. فالمشكلة الميتودولوجية تقوم في استخدام مفهوم "المجتمع العربي" كمعطىً ومن ثَمَّ إدخاله في المدارس الفكرية المختلفة (ليبرالية أو ماركسية) دون الحاجة إلى تعزيزها مفاهيمياً. هل هناك حقيقةً "دولة عربية"؟ وهل هناك حقيقةً "مجتمع عربي"؟ إنَّ الإجابة على هذين السؤالين ستعيِّن ما إذا كان "المجتمع العربي" يوجد حقاً. وهذه النقطة لا تستطلع المشروع القومي العربي، كما لا تقترح بدائل منها، بل إنَّ ما تفعله فقط هو أنها تنبِّه إلى التضمينات الإيديولوجية الناجمة من استخدام مفاهيم غير مثبتة ولكنَّها راسخة في التاريخ الفكري العربي ونادراً ما تلاقي معالجة. أَوَ ربما فقدان الإيمان والثقة في الخطاب القومي العربي هو ما دفع إلى بناء مفهوم "المجتمع المدني" بالروح القومية نفسها في ظلِّ إطار عمل مختلف؟

2. الحداثة الإشكالية في نقاش المجتمع المدني

استعاد المقطع السابق تضمينات مفهوم المجتمع المدني على الدولة والبُنى التقليدية والديموقراطية والإسلام. هذا، ويجب أن يثير تقييم إدماج مفهوم المجتمع المدني الانتباه حيال العديد من النقاط المتداخلة. والنقطة الأولى تتلخص في النقاش حول أنَّ الحداثة جزء لا يتجزأ من النقاش حول المدني وفي الوقت نفسه وسبب الخلاف. وفي الوقت نفسه، يُعتبَر السؤال عمَّا إذا كان المجتمع المدني مترسِّخاً في البُنى التقليدية، أو عمَّا إذا كانت هذه الأخيرة "مؤهَّلةً" لتكون جزءاً من المجتمع المدني، مسألةً خلافيةً في الخطاب الفكري المعاصر. وبالتوازي مع هذه المسألة، إن لم يكن ارتباطاً بها على نحو مباشر، فمن الإشكالي أنَّ الإسلام يطرح تأويل المجتمع المدني في العالم العربي. وفي حين أنَّ البعض يعتقد بتمانع الإسلام والديموقراطية والمجتمع المدني، يؤكِّد البعض الآخر على أنَّ الإسلام ومؤسساته على انسجام وتماسك تامَّين، إن لم تكن هي نفسها مُنشِئة مفهوم المجتمع المدني ومُوجِدته.
إنَّ شمول المؤسسات الإسلامية و/أو البُنى التقليدية في المجتمع المدني تظهر لأول وهلة كأنَّها معضلة تصنيفية (taxonomical dilemma) ، أو مجرَّد مشكلة تصنيف مفاهيمي. والسبب في أنَّ هذه المعضلة تثير نقاشاً جدياً يعود إلى تضميناتها التي تخلفها في المجتمعات العربية الحديثة. والواقع أنه إذا كانت المؤسسات الإسلامية و/أو التقليدية قد أعلنت أعضاء شرعيين في المجتمع المدني، فهذا يستدعي بالضرورة إعادة توزيع الموارد الفاعلة ضمن المجتمع المدني. وعلاوة على ذلك، إذا كان سُمح للمؤسسات التقليدية والإسلامية أن تضطلع بدورها وفق ما تمليه "قواعد" المجتمع المدني، فذلك سيثير، عندئذٍ، أسئلة جدية حول حيوية (viability) بعض الأنظمة العربية (أو قابليته للحياة). والأمثلة من الماضي القريب –كنشوء الحرب الأهلية الجزائرية في عام 1992- تبين أنَّ تشريع اللاعبين النَّافذين، أي البُنى التقليدية، ستهز بقوة بنية السلطة في الأنظمة العربية وهي القائمة نفسها إما على بُنية مدنية حداثية (modernist secularist structure) أو على نظام ممزَّق (rent system) لا يشجع إلا على مشاركة تقليدية لاسياسية وحسب.
 إنَّ مسألة "إرساء" نقاش في العلوم الاجتماعية ليس فقط غير وارد أو قابل للتصور، بل إنه مناقض (تضادي) لوجود العلوم الاجتماعية نفسها، حيث تُجدَّد المفاهيم وتُنقَّح ويعاد تأويلها وتفسيرها مع التغيُّرات الحادثة في العالم المادي. أما ما يتَّسم بأهمية قصوى بالنسبة إلى الخطاب الفكري العربي هو أن يتنبَّه لتضمينات إدخال الحداثة في النقاش الدائر حول مفهوم المجتمع المدني، الذي لا يهدف الآن إلى تعميق فهم التغيُّرات الحادثة في العالم العربي أو في دور البُنى المدنية والسياسية. بل إنه عوضاً عن ذلك محاولة لإعادة بناء الإيديولوجيا الحداثية للنخبة المهزومة على أساسٍ يُوافق روح المرحلة التي نعيشها. ففي هذه المرحلة تفتقر الدولة العربية إلى المشروع الاجتماعي السياسي مع استثناء وضع الدولة العربية ضد الإيديولوجيات المعادية للدولة التي اتَّخذت من الإسلام مصدراً لإيديولوجيتها السياسية، بحيث يمكنها، معها، استخدام خططٍ وخلفياتٍ أخرى، في سياقات تاريخية مختلفة، لترويج إيديولجياتها.


V. تحدِّيات المجتمع المدني في العراق

إنَّ النقاش حول المجتمع المدني العربي، كما رأينا آنفاً، يثير أسئلة أساسية حول العلاقة بين المجتمع المدني والدولة والديموقراطية والدين والبُنى الاجتماعية التقليدية. ورأينا كيف أنَّ كل عنصر من هذه العناصر حظي بدفاع الكتاب المنتمين إلى مختلف التيارات الإيديولوجية المتراوحة بين الحداثوية (modernism) وبين الإسلام السياسي. كما وضعت المقاطع السابقة "المجتمع المدني العربي" في كِلا سياقيه المفاهيمي والعولمي.
 والمقطع التالي يلقي الضوء على العراق ومجتمعه المدني. وخيار التشديد على العراق ينطلق من الحاجة إلى رسم خريطة التحدِّيات الرئيسية لبلدٍ يكابد تغيُّرات جذرية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك الإلحاحية العاجلة لفهم التغيُّرات البنيوية التي تحدث في العراق اليوم، فضلاً عن أهميته أيضاً بالنسبة إلى دراستنا، ذلك أنَّ المجتمع المدني يطرح على وجه الخصوص جملة أسئلة تتعلق بإنشاء مجتمع مدني في النظام القائم. بيد أنَّ المجتمع المدني العراقي يمثِّل هو أيضاً التحدِّيات الرئيسية التي ينبغي على كل الدول العربية أن تواجهها في ما يتعلق بالدولة والديموقراطية والدين والبُنى الاجتماعية التقليدية.
وفي الوقت الذي تندر فيه المراجع في صدد المجتمع المدني العراقي، فقد تركَّز الانتباه على نشوء النظام البعثي ومصادرته السلطة. فقد كان ثمَّة إجماع مع ذلك على أنَّ المجتمع المدني –بوصفه وسيطاً ديموقراطياً بين الفرد وبين الدولة في العراق- كان نقيضاً للدولة التوتاليتارية العراقية. فقد تعرَّضت الجمعيات والصحف والأحزاب السياسية التي كانت موجودة وناشطة قبل انقلاب عام 1963 للمضايقات والمنع للحؤول دون مشاركتها في العملية السياسية العراقية. وهذا المقطع لا يرمي إلى البحث بالتفصيل في المراحل التي مر بها المجتمع المدني العراقي منذ إنشاء الدولة البعثية، بل إنَّ جلَّ ما يهدف إليه مع ذلك هو إيراد التحدِّيات التي سيتعيَّن على المجتمع العراقي مواجهتها في السياق الراهن.
استتبع سقوط نظام صدام أيضاً زوال دولة البعث حيث تطرح أسئلة ضاغطة مرتبطة بإنشاء المجتمع المدني وزيادة المشاركة. فأي أنواع الدولة يُخطط للعراق؟ يمكن العثور على جواب هذا السؤال في السياسات النيوليبرالية التي وضعتها له الإدارة الأميركية الهادفة إلى تصغير حجم دور الدولة العراقية من خلال الهيكلة المالية والتخصيص ونزع الرقابة عن القطاع المالي وتحرير التجارة وخلق الحوافز أمام الاستثمارات المالية وإصلاح الضمان الاجتماعي وإصلاح سوق العمل (Looney, 2003). إنَّ مجرَّد تنفيذ السياسة النيوليبرالية دون أي تقييم لفرص نجاحها تطرح أسئلة جدية عن علاقة الدولة المحجَّمة بالمجتمع المدني. ماذا ستكون عليه الدولة في العملية التنموية وإعادة الإعمار؟ هل ستنقل الخصخصة مسؤوليات التنمية وإعادة الإعمار إلى القطاع الخاص وحده؟ هل سيُسمح للمجتمع المدني بالمشاركة في عملية إعادة الإعمار جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص؟
إن صوغ مستقبل الدولة العراقية يثير أسئلة في ما يتعلق بالمجتمع المدني والديموقراطية. فهل يشكِّل بناء الديموقراطية حافزاً أو شرطاً ضرورياً لتنمية المجتمع المدني العراقي؟ في غياب الشرعية في عملية الدمقرطة فهل تصبح الديموقراطية وإحياء شرعية عملية الدمقرطة مسؤولية المجتمع المدني العراقي الوحيدة؟ وبكلام آخر، هل يؤدِّي بناء الدولة العراقية الديموقراطية إلى بناء المجتمع المدني، أو هل ينبغي على المجتمع المدني العراقي الإسهام في بناء الدولة الديموقراطية؟ ماذا يمكننا أن نقول عن دينامية التعاون بين كلٍّ من المجتمع المدني والدولة؟
في تقييم العلاقة في ما بين الديموقراطية والمجتمع المدني، يصبح السؤال عن دينامية المجتمع المدني مع الإسلام السياسي مُلحَّاً. والواقع أنَّ ما جمعناه من النقاشات السابقة تفيد بأنَّ الإسلام والمجتمع المدني متمانعان، أو هما على الأقل في نزاع. ومن وجهة النظر تلك، هل هناك حيِّز للمنظمات الإسلامية ضمن المجتمع المدني العراقي الناشئ؟ وإذا تبنَّينا وجهة النظر هذه التي تشمل المجموعات الإسلامية ضمن المجتمع المدني طالما هي تقبل قواعده في التسامح، فهل يمكننا أن نتكلم على مجتمع مدني عراقي يتضمَّن المنظمات الإسلامية في غياب أي عملية ديموقراطية فاعلة؟ ما هي تضمينات المشاركة الديموقراطية في نظام يمكن أن يقوِّي المجموعات الدينية غير المتسامحة أو تلك التي تبشِّر للقيم غير الديموقراطية؟
إنَّ أيَّ مناقشة لدورٍ محتملٍ يعود للمجتمع المدني العراقي يجب أن يقيِّم أولاً مساهمة المجموعات الاجتماعية والبُنى الاجتماعية التقليدية التي استُبعدت في السابق من العملية السياسية. لقد نوقش أنَّ العلاقة بين دولة البعث وبين البُنى الاجتماعية التقليدية، ولا سيَّما العشائر والقبائل، علاقة ملتبسة غامضة. وبالإضافة إلى رفض التصور الليبرالي عن المجتمع المدني باسم القومية العربية، تبنَّى حزب البعث النظرة الحداثية للبُنى الاجتماعية التقليدية التي أمكن أن تشكِّل بديلاً من المجتمع المدني. وقد عبَّر البعث إيديولوجياً ومنهجياً عن رفضٍ جلي ومطلق للقبلية المترافقة مع الطائفية، حيث أعلن أنها من "مخلَّفات الاستعمار" (Baram, 1997:1). أضف إلى ذلك، عومل المشايخ وزعماء القبائل على أنهم مثال للرجعية والتخلف؛ وساوى البعث بين القبائل والعشائر وبين الإقطاعية ورأى فيها خطراً يتهدَّده. وفي مرحلة متأخرة كان يُنظر إليها على أنها نقيض للقومية العربية والوطنية العراقية. وقد سعى نظام البعث إلى إضعاف النظام القبلي من خلال عملية تأميم الأرض وتسريع العملية الحضرية التي أدَّت إلى نمو السكان الحضريين غير القبليين.
بيد أنَّ البُنى القبلية لم تختفِ، فتسرَّبت على نحوٍ ما إلى النظام البعثي بعد أحداث حرب الخليج وانتفاضة عام 1991 الشعبية التي أُجهضت. يقول الخفاجي إنَّ صدام حسين اضطر، آنئذٍ، مرغماً على الاعتراف بأنَّ الشرائح الاجتماعية الوسيطة بين الدولة والأفراد مطلوبة لتوسيع آليات الرقابة وتأطير مطالب الناس وتنفيس إحباطاتهم (80). والتأويل يجادل بأنَّه كانت هناك حاجة للدولة العراقية للتشجيع على تشكيل القبائل الوسيطة التي ستفاوض في شأن العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وقد حدث هذا عندما كان نظام صدام في حاجة ماسَّة إلى الشرعية، وحيث كان هناك ضرورة لتنفيس التوتر الاجتماعي. في سياق غياب شرعية الدولة العراقية قيد البناء، وفي سياق التوتر المتنامي بين مختلف القبائل، فإنَّ السؤال حول ما إذا كان سيكون هناك حاجة لتُشمل البُنى التقليدية ضمن المجتمع المدني العراقي. فهل طُلِب من القبائل التي كانت مستبعدة إيديولوجياً من بناء الدولة، المشاركة في إعادة إعمار العراق؟ وهل ستعاني عملية دمقرطة الدولة من شمول القبائل، أو هل سيكون على القبائل أن تتكيَّف مع قواعد المجتمع المدني في التسامح والتشارك في السلطة؟
هل هناك حيِّز للمجتمع المدني في ظروف غياب مؤسسات الدولة خارج الرعاية الدولية وندرة الشرعية؟ ما هو دور المجتمع المدني العراقي في غياب المؤسسات الديموقراطية الممثِّلة والعادلة المشروعة؟ وهل يمكننا الكلام على مجتمع مدني عراقي موحَّد يضم البُنى التقليدية والولاءات الطائفية والإتنية التي تعيد تحديد الولاءات الاجتماعية؟ لقد كان هدف هذا المقطع التأكيد على النقاط الأساسية التي أثارتها هذه الورقة حتى تتصدَّى للسؤال المُلِحِّ الذي يواجهه العراق اليوم. إنَّ معالجة هذه الأسئلة على نحوٍ صحيح سيسهم في الاتجاه نحو فهم دقيق للتحديات المنتصبة في وجه إعادة الإعمار والاحتلال التي يواجهها المجتمع المدني العراقي.


استنتاجات

لقد حاولنا عبر هذه الورقة أن نبيِّن خصائص المجتمع المدني الخلافية وغير المُجمَع عليها. وقد أعدنا للمجتمع المدني أصوله الأوروبية بغية تبيان كيفية تأثُّره بالتغيُّرات المادية التي حدثت في أوروبا القرن التاسع عشر. وقد بيَّنت هذه الورقة أيضاً كيف أنَّ تأويل المجتمع المدني في العالم العربي لم يتأثَّر بالتفاوتات التي كانت قائمة بين مختتلف المدارس الفكرية فحسب، بل كيف أنَّه كان لهذه التأويلات تضمينات وتأثيرات جدية على اللاعبين الضروريين في بناء المجتمع المدني في العالم النامي خلال القرن الحادي والعشرين. والواقع أنَّ التأويل العربي الحداثي للمجتمع المدني يحمل تأثيرات جدية على فهم دور الدولة وعملية الدمقرطة وعلى الموقف حيال البُنى التقليدية والإسلام. وهذا التأويل يتأثَّر كذلك بالنتائج الاقتصادية والسياسية في العولمة وتعاظم نفوذ الوكالات المانحة الدولية.
إنَّ المشكلة الرئيسية في النقاش حول المجتمع المدني في العالم العربي يظل في دائرة المعالجة غير السليمة لمشكلات الحداثة. والواقع أنَّ الحداثة تُحدَّد مباشرة بوصفها متمانعة مع البُنى الاجتماعية التقليدية والدين. كما يُرى إلى الحداثة أيضاً كمرحلة ضرورية في تنمية كل المجتمعات. وإلى أن تُحلَّ مسألة الحداثة فمن الأرجح أنَّ مفهوم المجتمع المدني لن يستمر في أن يكون خلافياً فحسب، بل مصدر توتر عنيف، ولا سيَّما في وجود أجندات القوى الدولية السياسية.
كل هذه الأسئلة، كما رأينا حاسمة لفهم التحدِّيات التي تواجه المجتمع المدني العراقي راهناً. من سيشارك في عملية إعادة إعمار الدولة العراقية؟ هل يشمل تعريف المجتمع المدني العراقي الراهن المؤسسات الدينية و/أو البُنى الدينية؟ هل يمكن للمجتمع المدني العراقي أن يسهم في عملية إعادة إعمار الدولة دون أن يستمد شرعيته من كل قطاعات المجتمع العراقي؟ وأخيراً، هل يمكننا الكلام على عملية دمقرطة عراقية في السياق العسكري والاستعماري الراهن؟ إنَّ التحدِّيات التي تواجه المجتمع المدني العراقي عبارة عن مثال واضح قابل للجدل على أنواع التحديات التي يتوجَّب على كل المجتمعات المدنية العربية أن تواجهها بتزايد.

 

المراجع [5]
- أبو حلاوة، ك. (1998). إشكالية مفهوم المجتمع المدني، بيروت، الأهالي.
- بنسعيد العلوي، س. "نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر العربي الحديث"، في: "المجتمع المدني في الوطن العربي"، 41-65، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
- بشارة، ع. (1998). المجتمع المدني: : دراسة نقدية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
- البزري، د. (1994). غرامشي في الديوانية، بيروت، دار الجديد.
- غليون، ب. (2000). "بناء المجتمع المدني:  دور العوامل الداخلية  والخارجية"، 733- 755، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
- الصبيحي، أ. (2000). "مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
- الصوراني، ج. (يناير 2003). "التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في بلدان الوطن العربي وآفاق المستقبل".


 
 
 
 

Baram, A. "Neo-tribalism in Iraq: Saddam Hussein's tribal policies 1991-1996" in International Journal for Middle East Studies, 29 (1997), 1-31. USA: Cambridge University Press.

Baz, S. (1998). The role of civil society in developing Arab societies. ESCWA, NY.

Clark, J. and Kleinberg, R. B. "Introduction: the impact of economic reform on civil society, popular participation and democratization in developing world" (1-24) in Clark, J. and Kleinberg, R. B. (Eds) (2000) Economic Liberalization, Democratisation and Civil Society in the Developing World. London: Palgrave.

Ibrahim, S. E. (1995) "Civil Society and prospects of democratisation in the Arab World" in Civil Society in the Middle East. Norton, A. R. (Ed.) N.Y.: Boulder.

Ismail, T. Y. (2001) Middle East Politics Today. Fl: University Press of Florida.

Kedouri, E. (1994) Democracy and Arab Political Culture. London: Frank Cass.

Al Khafaji, I. (2003) "A few days after: state and society in post-Saddam Iraq" in Dodge, T. and Simons, S. Iraq at the crossroads: state and society in the shadow of regime change. N.Y.: The International Institute for Strategic Studies.

Lewis, B. (1994) The Shaping of the Modern Middle East. N.Y.: Oxford University Press.

Looney, R. "The Neo-liberal model's planned role in Iraq's economic transition", in: The Middle East Journal, Autumn, 2003, v57, i4, p568 (19).

Musalli, A. (1995) "Modern Islamic Fundamentalist discourses on civil society, pluralism and democracy" in Norton, A. R. (Ed) Civil Society in the Middle East. N.Y.: Boulder.

Norton A. R. (1995) Civil Society in the Middle East (Ed.), Vol. 1. New York: E. J. Brill.

Salam, N. "Civil Society in the Arab World". Islamic Legal Studies Program, Harvard Law School, October 2002.

Al Sayyid, M. K. "Civil Society and the Arab World". In: Brynen, R.; Kornay, B.; Noble, P. (Eds). Political Liberalization and Democratization in the Arab World. (1995) pp. 131-147. London: Boulder.

Schwedler, J. (1995) "Towards Civil Society in the Middle East, a primer", Ed. Jillian Schwedler, London: Boulder.

 


 
 
 
 
 

هوامش

[1] كُلف هذا البحث خصوصا بهدف فتح نقاش بين ماشركي الندوة "المجتمع المدني من منظور التجارب والتحديات في العراق وفي المنطقة" المنعقدة في بيروت بتاريخ 15-17 تشرين الأول 2004 بتعاون بين مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هينرخ بُل وشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)

[2] للتوسُّع في معرفة تطور المفهوم ضمن التجربة الأوروبية الشرقية أنظر:

Andrew Arato: "Civil Society against the State: Poland 1980-1981, Telos, No. 47 (Spring 1981), 23 -47, and "Empire vs. Civil Society: Poland 1979-1982", Telos, No. 50 (Winter 1981-1982), 19-48; John Kean ed.; Civil Society and the State (London: Verso, 1988), and John A. Hall, "In Search of Civil Society" in John A. Hall, ed., Civil Society: Theory, History, Comparison (Cambridge: 1995), pp. l-32.

[3]  Kofi Annan, The United Nations: partners in civil society
http://www.un.org/partners/civil_society/hhome.htm

 [4]لاستيضاح هذا التيار تُراجع مداخلة عروس الزبير تعليقاً على ورقة أ. ف. إسماعيل في: "المجتمع المدني في الوطن العربي"، مركز دراسات الوحدة العربية، 1991، ص 316.

 [5]فصلت المراجع العربية عن المراجع الأجنبية وحوفظ على ترتيبها كما وردت في النص الإنكليزي )المترجم(

 

جميع الحقوق للترجمات المنشورة على هذا الموقع محفوظة لدى مؤسسة هينرخ بل - مكتب الشرق الأوسط


 
 
 
 

أصوات أخرى

مقال مترجم حديثا ً إلى العربية

أنطون بيلنكا
عن مخاطر الثقافوية التعددية
 في مواجهة تبسيط فكرة الثقافة الإتنية

قراءات إضافية من مشروع الترجمة
 أصوات أخرى

قريبا